عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي
15
أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )
* ( فَبَشَّرْناه بِغُلامٍ حَلِيمٍ ) * بشره بالولد وبأنه ذكر يبلغ أوان الحلم ، فإن الصبي لا يوصف بالحلم ويكون حليما وأي حلم مثل حلمه حين عرض عليه أبوه الذبح وهو مراهق فقال * ( سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّه مِنَ الصَّابِرِينَ ) * . وقيل ما نعت اللَّه نبيا بالحلم لعزة وجوده غير إبراهيم وابنه عليهما الصلاة والسلام ، وحالهما المذكورة بعد تشهد عليه . فَلَمَّا بَلَغَ مَعَه السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّه مِنَ الصَّابِرِينَ ( 102 ) فَلَمَّا أَسْلَما وتَلَّه لِلْجَبِينِ ( 103 ) * ( فَلَمَّا بَلَغَ مَعَه السَّعْيَ ) * أي فلما وجد وبلغ أن يسعى معه في أعماله ، و * ( مَعَه ) * متعلق بمحذوف دل عليه * ( السَّعْيَ ) * لا به لأن صلة المصدر لا تتقدمه ولا ب * ( بَلَغَ ) * فإن بلوغهما لم يكن معا كأنه لمّا قال : فلما بلغ السعي فقيل مع من فقيل معه ، وتخصيصه لأن الأب أكمل في الرفق والاستصلاح له فلا يستسعيه قبل أوانه ، أو لأنه استوهبه لذلك وكان له يومئذ ثلاث عشرة سنة . * ( قالَ يا بُنَيَّ ) * وقرأ حفص بفتح الياء . * ( إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ) * يحتمل أنه رأى ذلك وأنه رأى ما هو تعبيره ، وقيل إنه رأى ليلة التروية أن قائلا يقول له : إن اللَّه يأمرك بذبح ابنك ، فلما أصبح روى أنه من اللَّه أو من الشيطان ، فلما أمسى رأى مثل ذلك فعرف أنه من اللَّه ، ثم رأى مثله في الليلة الثالثة فهم بنحره وقال له ذلك ، ولهذا سميت الأيام الثلاثة بالتروية وعرفة والنحر ، والأظهر أن المخاطب إسماعيل عليه السلام لأنه الذي وهب له أثر الهجرة ولأن البشارة بإسحاق بعد معطوفة على البشارة بهذا الغلام ، ولقوله عليه الصلاة والسلام « أنا ابن الذبيحين » . فأحدهما جده إسماعيل والآخر أبوه عبد اللَّه ، فإن جده عبد المطلب نذر أن يذبح ولدا إن سهل اللَّه له حفر زمزم أو بلغ بنوه عشرة ، فلما سهل أقرع فخرج السهم على عبد الله ففداه بمائة من الإبل ، ولذلك سنت الدية مائة ولأن ذلك كان بمكة وكان قرنا الكبش معلقين بالكعبة حتى احترقا معها في أيام ابن الزبير ، ولم يكن إسحاق ثمة ولأن البشارة بإسحاق كانت مقرونة بولادة يعقوب منه فلا يناسبها الأمر بذبحه مراهقا ، وما روي أنه عليه الصلاة والسلام سئل أي النسب أشرف فقال : يوسف صديق اللَّه بن يعقوب إسرائيل اللَّه بن إسحاق ذبيح اللَّه بن خليل اللَّه فالصحيح أنه قال : « يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم » والزوائد من الراوي . وما روي أن يعقوب كتب إلى يوسف مثل ذلك لم يثبت . وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بفتح الياء فيهما . * ( فَانْظُرْ ما ذا تَرى ) * من الرأي ، وإنما شاوره فيه وهو حتم ليعلم ما عنده فيما نزل من بلاء اللَّه فيثبت قدمه إن جزع ، ويأمن عليه إن سلم وليوطن نفسه عليه فيهون ويكتسب المثوبة بالانقياد له قبل نزوله ، وقرأ حمزة والكسائي * ( ما ذا تَرى ) * بضم التاء وكسر الراء خالصة ، والباقون بفتحهما وأبو عمرو يميل فتحة الراء وورش بين بين والباقون بإخلاص فتحها . * ( قالَ يا أَبَتِ ) * وقرأ ابن عامر بفتح التاء . * ( افْعَلْ ما تُؤْمَرُ ) * أي ما تؤمر به فحذفا دفعة ، أو على الترتيب كما عرفت أو أمرك على إرادة المأمور به والإضافة إلى المأمور ، أو لعله فهم من كلامه أنه رأى أنه يذبحه مأمورا به ، أو علم أن رؤيا الأنبياء حق وأن مثل ذلك لا يقدمون عليه إلا بأمر ، ولعل الأمر به في المنام دون اليقظة لتكون مبادرتهما إلى الامتثال أدل على كمال الانقياد والإخلاص ، وإنما ذكر بلفظ المضارع لتكرر الرؤيا . * ( سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّه مِنَ الصَّابِرِينَ ) * على الذبح أو على قضاء اللَّه ، وقرأ نافع بفتح الياء . * ( فَلَمَّا أَسْلَما ) * استسلما لأمر اللَّه أو سلما الذبيح نفسه وإبراهيم ابنه ، وقد قرئ بهما وأصلها سلم هذا لفلان إذا خلص له فإنه سلم من أن ينازع فيه . * ( وتَلَّه لِلْجَبِينِ ) * صرعه على شقه فوقع جبينه على الأرض وهو أحد جانبي الجبهة . وقيل كبه على وجهه بإشارته لئلا يرى فيه تغيرا يرق له فلا يذبحه ، وكان ذلك عند الصخرة بمنى أو في الموضع المشرف على مسجده ، أو المنحر الذي ينحر فيه اليوم .