عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي
143
أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )
ليس لي تعذيبه . يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ( 30 ) * ( يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ) * سؤال وجواب جيء بهما للتخييل والتصوير ، والمعنى أنها مع اتساعها تطرح فيها الجنة والناس فوجا فوجا حتى تمتلئ لقوله تعالى : * ( لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ ) * ، أو أنها من السعة بحيث يدخلها من يدخلها وفيها بعد فراغ ، أو أنها من شدة زفيرها وحدتها وتشبثها بالعصاة كالمستكثرة لهم والطالبة لزيادتهم . وقرأ نافع وأبو بكر يقول بالياء وال * ( مَزِيدٍ ) * إما مصدر كالمحيد أو مفعول كالمبيع ، و * ( يَوْمَ ) * مقدر باذكر أو ظرف ل * ( نُفِخَ ) * فيكون ذلك إشارة إليه فلا يفتقر إلى تقدير مضاف . وأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ( 31 ) هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ ( 32 ) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ( 33 ) ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ ( 34 ) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها ولَدَيْنا مَزِيدٌ ( 35 ) * ( وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ) * قربت لهم . * ( غَيْرَ بَعِيدٍ ) * مكانا غير بعيد ، ويجوز أن يكون حالا وتذكيره لأنه صفة محذوف ، أو شيئا غير بعيد أو على زنة المصدر أو لأن الجنة بمعنى البستان . * ( هذا ما تُوعَدُونَ ) * على إضمار القول والإشارة إلى الثواب أو مصدر * ( أُزْلِفَتِ ) * . وقرأ ابن كثير بالياء . * ( لِكُلِّ أَوَّابٍ ) * رجاع إلى اللَّه تعالى ، بدل من « المتقين » بإعادة الجار . * ( حَفِيظٍ ) * حافظ لحدوده . * ( مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ) * بدل بعد بدل أو بدل من موصوف * ( أَوَّابٍ ) * ، ولا يجوز أن يكون في حكمه لأن * ( مَنْ ) * لا يوصف به أو مبتدأ خبره : * ( ادْخُلُوها ) * على تأويل يقال لهم * ( ادْخُلُوها ) * ، فإن من بمعنى الجمع وبالغيب حال من الفاعل أو المفعول ، أو صفة لمصدر أي خشية ملتبسة بالغيب حيث خشي عقابه وهو غائب ، أو العقاب بعد غيب أو هو غائب عن الأعين لا يراه أحد . وتخصيص * ( الرَّحْمنَ ) * للإشعار بأنهم يرجون رحمته ويخافون عذابه ، أو بأنهم يخشون مع علمهم بسعة رحمته ، ووصف القلب بالإنابة إذ الاعتبار برجوعه إلى اللَّه . * ( بِسَلامٍ ) * سالمين من العذاب وزوال النعم ، أو مسلما عليكم من اللَّه وملائكته . * ( ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ ) * يوم تقدير الخلود كقوله : * ( فَادْخُلُوها خالِدِينَ ) * . * ( لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها ولَدَيْنا مَزِيدٌ ) * وهو ما لا يخطر ببالهم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر . وكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ ( 36 ) * ( وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ ) * قبل قومك . * ( مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً ) * قوة كعاد وثمود وفرعون . * ( فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ ) * فخرقوا في البلاد وتصرفوا فيها ، أو جالوا في الأرض كل مجال حذر الموت ، فالفاء على الأول للتسبب وعلى الثاني لمجرد التعقيب ، وأصل التنقيب التنقير عن الشيء والبحث عنه . * ( هَلْ مِنْ مَحِيصٍ ) * أي لهم من اللَّه أو من الموت . وقيل الضمير في * ( فَنَقَّبُوا ) * لأهل مكة أي ساروا في أسفارهم في بلاد القرون فهل رأوا لهم محيضا حتى يتوقعوا مثله لأنفسهم ، ويؤيده أنه قرئ « فنقّبوا » على الأمر ، وقرئ « فنقّبوا » بالكسر من النقب وهو أن ينتقب خف البعير أي أكثروا السير حتى نقبت أقدامهم أو أخفاف مراكبهم .