عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي

141

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )

كان أقرب إليه * ( مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) * ، تجوز بقرب الذات لقرب العلم لأنه موجبه و * ( حَبْلِ الْوَرِيدِ ) * مثل في القرب قال : والموت أدنى من الوريد . وال * ( حَبْلِ ) * العرق وإضافته للبيان ، والوريدان عرقان مكتنفان بصفحتي العنق في مقدمها متصلان بالوتين يردان من الرأس إليه ، وقيل سمي وريدا لأن الروح ترده . إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ( 17 ) ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْه رَقِيبٌ عَتِيدٌ ( 18 ) * ( إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ ) * مقدر باذكر أو متعلق ب * ( أَقْرَبُ ) * ، أي هو أعلم بحاله من كل قريب حين يتلقى أي يتلقن الحفيظان ما يتلفظ به ، وفيه إيذان بأنه غني عن استحفاظ الملكين فإنه أعلم منهما ومطلع على ما يخفى عليهما ، لكنه لحكمة اقتضته وهي ما فيه من تشديد يثبط العبد عن المعصية ، وتأكيد في اعتبار الأعمال وضبطها للجزاء وإلزام للحجة يوم يقوم الاشهاد . * ( عَنِ الْيَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ) * أي * ( عَنِ الْيَمِينِ ) * قعيد * ( وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ) * ، أي مقاعد كالجليس فحذف الأول لدلالة الثاني عليه كقوله : فإني وقيار بها لغريب . وقد يطلق الفعيل للواحد والمتعدد كقوله : * ( والْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ ) * . * ( ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ ) * ما يرمي به من فيه . * ( إِلَّا لَدَيْه رَقِيبٌ ) * ملك يرقب عمله . * ( عَتِيدٌ ) * معد حاضر ، ولعله يكتب عليه ما فيه ثواب أو عقاب وفي الحديث « كاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات فإذا عمل حسنة كتبها ملك اليمين عشرا ، وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال دعه سبع ساعات لعله يسبح أو يستغفر » . وجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْه تَحِيدُ ( 19 ) ونُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ ( 20 ) * ( وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ) * لما ذكر استبعادهم البعث للجزاء وأزاح ذلك بتحقيق قدرته وعلمه أعلمهم بأنهم يلاقون ذلك عن قريب عند الموت وقيام الساعة ، ونبه على اقترابه بأن عبر عنه بلفظ الماضي ، وسكرة الموت شدته الذاهبة بالعقل والباء للتعدية كما في قولك : جاء زيد بعمرو . والمعنى وأحضرت سكرة الموت حقيقة الأمر أو الموعود الحق ، أو الحق الذي ينبغي أن يكون من الموت أو الجزاء ، فإن الإنسان خلق له أو مثل الباء في * ( تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ ) * . وقرئ « سكرة الحق بالموت » على أنها لشدتها اقتضت الزهوق أو لاستعقابها له كأنها جاءت به ، أو على أن الباء بمعنى مع . وقيل سكرة الحق سكرة اللَّه وإضافتها إليه للتهويل . وقرئ « سكرات الموت » . * ( ذلِكَ ) * أي الموت . * ( ما كُنْتَ مِنْه تَحِيدُ ) * تميل وتنفر عنه والخطاب للإنسان . * ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ) * يعني نفخة البعث . * ( ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ ) * أي وقت ذلك يوم تحقق الوعيد وإنجازه والإشارة إلى مصدر * ( نُفِخَ ) * . وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ ( 21 ) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ( 22 ) * ( وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ ) * ملكان أحدهما يسوقه والآخر يشهد بعمله ، أو ملك جامع للوصفين . وقيل السائق كاتب السيئات ، والشهيد كاتب الحسنات . وقيل السائق نفسه أو قرينه والشهيد جوارحه أو أعماله ، ومحل * ( مَعَها ) * النصب على الحال من كل لإضافته إلى ما هو في حكم المعرفة . * ( لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا ) * على إضمار القول والخطاب * ( لِكُلِّ نَفْسٍ ) * إذ ما من أحد إلا وله اشتغال ما عن الآخرة أو للكفار . * ( فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ ) * الغطاء الحاجب لأمور المعاد ، وهو الغفلة والانهماك في المحسوسات والإلف بها وقصور النظر عليها . * ( فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) * نافذ لزوال المانع للإبصار . وقيل