عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي
108
أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )
أو استئناف مقرر لتساوي محيا كل صنف ومماته في الهدى والضلال ، وقرئ « مماتهم » بالنصب على أن * ( مَحْياهُمْ ومَماتُهُمْ ) * ظرفان كمقدم الحاج . * ( ساءَ ما يَحْكُمُونَ ) * ساء حكمهم هذا أو بئس شيئا حكموا به ذلك . وخَلَقَ اللَّه السَّماواتِ والأَرْضَ بِالْحَقِّ ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 22 ) * ( وَخَلَقَ اللَّه السَّماواتِ والأَرْضَ بِالْحَقِّ ) * كأنه دليل على الحكم السابق من حيث إن خلق ذلك بالحق المقتضي للعدل يستدعي انتصار المظلوم من الظالم ، والتفاوت بين المسئ والمحسن وإذا لم يكن في المحيا كان بعد الممات . * ( ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ) * عطف على بالحق لأنه في معنى العلة أو على علة محذوفة مثل ليدل بها على قدرته أو ليعدل * ( ولِتُجْزى ) * . * ( وهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) * بنقص ثواب وتضعيف عقاب ، وتسمية ذلك ظلما ولو فعله اللَّه لم يكن منه ظلما لأنه لو فعله غيره لكان ظلما كالابتلاء والاختبار . أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَه هَواه وأَضَلَّه اللَّه عَلى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلى سَمْعِه وقَلْبِه وجَعَلَ عَلى بَصَرِه غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيه مِنْ بَعْدِ اللَّه أَفَلا تَذَكَّرُونَ ( 23 ) وقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ وما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ( 24 ) وإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 25 ) * ( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَه هَواه ) * ترك متابعة الهدى إلى متابعة الهوى فكأنه يعبده ، وقرئ « آلهة هواه » لأنه كان أحدهم يستحسن حجرا فيعبده فإذا رأى أحسن منه رفضه إليه . * ( وأَضَلَّه اللَّه ) * وخذله . * ( عَلى عِلْمٍ ) * عالما بضلاله وفساد جوهر روحه . * ( وخَتَمَ عَلى سَمْعِه وقَلْبِه ) * فلا يبالي بالمواعظ ولا يتفكر في الآيات . * ( وجَعَلَ عَلى بَصَرِه غِشاوَةً ) * فلا ينظر بعين الاستبصار والاعتبار ، وقرأ حمزة والكسائي « غشوة » . * ( فَمَنْ يَهْدِيه مِنْ بَعْدِ اللَّه ) * من بعد إضلاله . * ( أَفَلا تَذَكَّرُونَ ) * وقرئ « تتذكرون » . * ( وَقالُوا ما هِيَ ) * ما الحياة أو الحال . * ( إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا ) * التي نحن فيها . * ( نَمُوتُ ونَحْيا ) * أي نكون أمواتا نطفا وما قبلها ونحيا بعد ذلك ، أو نموت بأنفسنا ونحيا ببقاء أولادنا ، أو يموت بعضنا ويحيا بعضنا ، أو يصيبنا الموت والحياة فيها وليس وراء ذلك حياة ويحتمل أنهم أرادوا به التناسخ فإنه عقيدة أكثر عبدة الأوثان . * ( وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ ) * إلا مرور الزمان وهو في الأصل مدة بقاء العالم من دهره إذا غلبه . * ( وما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ ) * يعني نسبة الحوادث إلى حركات الأفلاك وما يتعلق بها على الاستقلال ، أو إنكار البعث أو كليهما . * ( إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ) * إذ لا دليل لهم عليه وإنما قالوه بناء على التقليد والإنكار لما لم يحسوا به . * ( وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ) * واضحات الدلالة على ما يخالف معتقدهم أو مبينات له . * ( ما كانَ حُجَّتَهُمْ ) * ما كان لهم متشبث يعارضونها به . * ( إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) * وإنما سماه حجة على حسبانهم ومساقهم ، أو على أسلوب قولهم : تحية بينهم ضرب وجيع . فإنه لا يلزم من عدم حصول الشيء حالا امتناعه مطلقا . قُلِ اللَّه يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيه ولكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 26 ) ولِلَّه مُلْكُ السَّماواتِ والأَرْضِ ويَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ ( 27 ) * ( قُلِ اللَّه يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ) * على ما دلت عليه الحجج . * ( ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيه ) * فإن من قدر على الابتداء قدر على الإعادة ، والحكمة اقتضت الجمع للمجازاة على ما قرر مرارا ، والوعد