السيد مصطفى الخميني
227
تفسير القرآن الكريم
به يخرج الأشياء من العدم ، فإذا كانت تلك الرحمة تسع كل شئ ، فهو تعالى مخزن هذه الرحمة الواسعة ، ومعدن تلك النعمة الوازعة ، وهو الوجود ، وما يشابه ذلك من العناوين الأخر الحاكية عن تلك الواقعية . إن قلت : الرحمة هي رقة القلب أو الغفران وما شابه ذلك ، وأين هذا من ذاك ؟ ! قلت : نعم ، إلا أن المقرر في السابق هو أن هذه الألفاظ القاصرة بحسب الدلالة ، كافية لإفادة المعاني الراقية الألوهية على الكناية والتوسع ، فإذا قيل : " وبرحمتك التي وسعت كل شئ " ( 1 ) ينتقل المخاطب والسامع إلى أن رأفته ورقته وغفرانه وسع كل شئ ، إلا أن رأفة كل شئ بحسبه وعلى الوجه المناسب معه ، فهو تعالى إذا قيل : غافر كل شئ ، فلابد وأن يراد من الغفران هو التجاوز عن السيئة ، ويراد من السيئة خطيئة العدم ، فإنه من الخطيئات أيضا . فبالجملة : فهم ذلك من ذاك موكول إلى عقول البشر ، وكيفية إدراكهم للحقائق ما يليق بحضرته الربوبية ، من غير لزوم كون الاستعمالات حقيقة ، كما عرفت تفصيله ، ومن غير الالتزام بأنه تعالى لا يوصف بذلك ولا بما هو المكنى عنه ، بل هو تعالى يوصف بالرحمة التي لازم رقة القلب في الخلق ، من غير نظر إلى إثبات الرقة له تعالى ، حتى يكون من الأوصاف الانفعالية الناقصة التي يتنزه عنها هو تعالى وتقدس ، فلا تخلط وكن على بصيرة من أمرك .
--> 1 - دعاء كميل بن زياد عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) انظر مصباح المتهجد : 744 .