هاشم معروف الحسني

29

تاريخ الفقه الجعفري

والمقصود من ذلك الدعاء لها بأن لا تفسد ، وقال الأعشى : عليك مثل الذي صليت فاغتمضي * نوما فأن لجنب المرء مضطجعا يريد منها أن تدعو له بمثل ما كانت تدعو له ، أي تكرر الدعاء ( 1 ) . وفي القرآن الكريم ورد ذكرها بمعان مختلفة ، ففي قوله سبحانه : « ولَوْ لا دَفْعُ الله النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وبِيَعٌ وصَلَواتٌ ومَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ الله » ( 2 ) ، وهي من صلاتا في العبرية موضع الصلاة فيكون استعمال العرب لها بمعنى الدعاء من إطلاق اسم المحل على الحال تجوزا ، ووردت في آيات الكتاب بمعناها العربي وهو الدعاء والرحمة قال سبحانه : « وصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ » ( 3 ) ، : « إِنَّ الله ومَلائِكَتَه يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْه وسَلِّمُوا تَسْلِيماً » ولا معنى لها في هذين الموردين إلا ذلك ، وكانت صلاة العرب قبل الإسلام ، هي الدعاء عند تلبية الحج ، وقال ابن عباس كانت قريش تطوف بالبيت عراة ، يصفرون ويصفقون ، وحكى الله حالهم بقوله ، : « وما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وتَصْدِيَةً » ( 4 ) والمكاء هو الصفير والتصدية هي التصفيق ، فيكون المكاء والتصدية نوعا من العبادة عندهم ، وقد سميت هذه العبادة بالصلاة ، وعن مجاهد وقتادة ان النبي ( ص ) ، كان إذا صلى في المسجد يقومون عن يمينه ويساره بالتصفيق والتصفير ، ليخلطوا عليه صلاته ، وهذه الرواية تفيد انهما ليسا من نوع العبادة ، بل كانوا يستعملونهما إيذاء للرسول ولكن ظاهر الآية يؤيد ما قاله ابن عباس من أن عبادتهم كانت على هذا النوع وذكر بعض المفسرين ان العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة ، لأنهم لا يناجون الله بثيابهم التي أذنبوا فيها ، ولما جاء الإسلام أمرهم أن يأخذوا زينتهم عند

--> ( 1 ) من تاريخ التشريع الجعفري للحضري . ( 2 ) سورة الحج . ( 3 ) سورة النور . ( 4 ) سورة الأنفال .