هاشم معروف الحسني

135

تاريخ الفقه الجعفري

وليس من السهل انتشارها قبل الزمن الذي عاش فيه الإمامان الباقر والصادق ، ففي عهد الخلفاء الثلاثة لم يكن بوسعه أن ينشرها بين المسلمين بعد ان منع عمر بن الخطاب من تدوين الفقه والحديث ، ودان المسلمون برأيه ، حتى أصبح سنة من سنن الإسلام . وبعد عصرهم جاءت الدولة الأموية فسخرت كل إمكانياتها للقضاء على التشيع وآثاره ، وأصبح الحديث عنه يجر من ورائه أقصى العقوبات ، فكان ولا بد لتلك الآثار ان لا تظهر في تلك الظروف العصيبة من تاريخ الشيعة وقد بلغ الحال بمن كان يريد أن ينقل عن علي ( ع ) شيئا من الآثار أن يقول : حدثني أبو زينب . ومع أن عليا وبنيه وشيعتهم لم يكن بوسعهم أن ينشروا تلك الآثار الكريمة ، التي استمدها علي من الكتاب والرسول ، كانوا يأتون أحيانا ويحدثون بما فيها من أحكام وأحاديث تختلف عما يفتي به الجمهور أو يحدث به عن الرسول ، كما سيتبين ذلك من حديثنا عن أثر التشيع في الفقه والحديث في عصر الصحابة ، في الفصول الآتية أثر المنع من تدوين الحديث والفقه على التشريع الإسلامي ذكرنا في الفصل السابق ان جماعة من وجوه الصحابة أشاروا على الخليفة بتدوين الحديث وجمعه في كتاب خاص ، كما جمعوا الألواح والرقاع التي كتب عليها آيات القرآن . ولكن الخليفة الثاني رأى أن ذلك قد يؤدي بالمسلمين إلى التشاغل بالحديث وهجر القرآن ، كما فعل اليهود والنصارى ، فمنع من تدوينه . واستمر المسلمون زمنا طويلا يعتمدون في نقل الحديث على ما سمعوه من الرسول أو صحابته ، من غير أن يدونوا منه شيئا ما ، حسب ما يزعم المحدثون من أهل السنة . مع أن الحاجة إليه لم تكن بأقل من الحاجة إلى الكتاب الكريم من ناحية التشريع ، لأنه الأصل الثاني للأحكام ومرجعه الوحيد بعد كتاب اللَّه . والمسلمون لم يكونوا طرازا واحدا في الفقه والعلم والحفظ ولا نمطا متشابها في الفهم والتفكير ، بل كانوا في ذلك على طبقات ودرجات من حيث عملهم وضبطهم ودينهم ، شأن الناس في جميع الأدوار .