الآلوسي

75

تفسير الآلوسي

ما أعد الله تعالى لهم من الكرامات وقال مقاتل إلى أهل النار أعدائهم ولم يرتضه بعض ليكون ما في آخر السورة تأسيساً وقيل ينظر بعضهم إلى بعض فلا يحجب حبيب عن حبيبه وقيل النظر كناية عن سلب النونم فكأنه قيل لا ينامون وكأنه لدفع توهم النوم من ذكر الأرائك المعدة للنوم غالباً وفيه إشارة إلى أنه لا نوم في الجنة كما وردت به الأخبار لما فيه من زوال الشعور وغفلة الحواس إلى غير ذلك مما لا يناسب ذلك المقام وليه يكون قوله سبحانه : * ( تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ) * * ( تعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ) * أي بهجة النعيم ورونقه لنفي ما يوهمه سلب النوم من الضعف وتغير بهجة الوجه كما في الدنيا وهو وجه لا يعرف فيه الناظر نضرة التحقيق والخطاب في تعرف لكل من له حظ من الخطاب للإيذان بأن مال هم من آثار النعمة وأحكام البهجة بحيث لا يختص براء دون راء وقرأ أبو جعفر وابن أبي إسحق وطلحة وشيبة ويعقوب تعرف مبنياً للمفعول نضرة رفعاً على النيابة عن الفاعل وجوز بعضهم أن يكون نائب فاعل تعرف ضمير الأبرار وفي وجوههم نضرة مبتدأ وخبر كأنه قيل تعرف الأبرار بأن في وجوههم نضرة النعيم وليس بشيء كما لا يخفى وقرأ زيد بن علي كذلك إلا أنه قرأ يعرف بالياء إذ تأنيث نضرة مجازي . * ( يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ ) * * ( يُسقَونَ مِنْ رَحيقٍ ) * قال الخليل هو أجود الخمر وقال الأخفش والزجاج الشراب الذي لا غش فيه قال حسان : يسقون من ورد البريص عليهم * بردى يصفق بالرحيق السلسل وفسر ههنا بالشراب الخالص مما يكدر حتى الغول . * ( خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِى ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ) * * ( مَخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ ) * أي مختوم أوانيه وأكوابه بالمسك مكان الطين كما روى عن مجاهد وذكر أن طين الجنة مسك معجون والظاهر أن الختام ما يختم به وإن الختم على حقيقته وكذا إسناده وقولنا مختوم أوانيه الخ أليس لأن الإسناد مجازي بل لأن الختم على الشيء أعني الاستيثاق منه بالختم طريقه ذلك وختم اعتناء به وإظهاراً لكرامة شاربه وكان ذلك بما هو على هيئة الطين ليكون على النهج المألوف ويجوز أن يكون ذلك تمثيلاً لكمال نفاسته وإلا فليس ثمة غبار أو ذباب أو خيانة ليصان عن ذلك بالختم وقال ابن عباس وابن جبير والحسن المعنى خاتمته ونهايته رائحة رائحة مسك إذا شرب أي يجد شاربه ذلك عند انتهاء شربه وكان ذلك لأن اشتغال الذائقة بكمال لذته تمنع عن إدراك الرائحة فإذا انقطعع الشرب أدركت وإلا فالرائحة لا تختص بالانهاء وقيل المعنى ذو نهاية نهايته وما يبقى بعد شربه ويشرب في أوانيه مسك وليس كشراب الدنيا نهايته وما يرسب في إنائه طين أو نحوه وهو كما ترى وقيل إن الرحيق يمزج بالكافور ويختم مزاجه بالمسك فالمعنى ذو ختام ختام مزاجه مسك وهو مع كونه خلاف الظاهر وفيما بعد ما يبعده في الجملة يحتاج إلى نقل يعود عليه وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه والنخعي والضحاك وزيد بن علي وأبو حيوة وابن أبي عبلة والكسائي خاتمه بألف بعد الخاء وفتح التاء والمراد ما يختم به أيضاً فإن فاعلاً بالفتح يكون أيضاً اسم آلة كالقالب والطابع لكنه سماعي وعن الضحاك وعيسى وأحمد بن جبير الإنطاكي عن الكسائي كسر التاء أي آخره رائحة مسك والجمل السابقة أعني على الأرائك ينظرون و * ( تعرف في وجوههم ) * الخ و * ( يسقون ) * الخ قيل أحوال مترادفة وقيل مستأنفات كجملة أن الأبرار الخ وقعت أجوبة للسؤال في حالهم والفصل للتنبيه على استقلال كل في بيان كرامتهم * ( وفِي ذَلِكَ ) * إشارة إلى الرحيق وهو الأنسب بما بعد أو إلى ما ذكر من أحوالهم وما فيه من معنى البعد للإشعار بعلو مرتبته وبعد منزلته وجوز أن يكون لكونه في الجنة والجار والمجرور متعلق بقوله تعالى : * ( فَلْيَتَنَافَس ) * وقدم للاهتمام أو للحصر أي فليتنافس