الآلوسي
18
تفسير الآلوسي
لما كان كفرهم أعظم كفر اقتضى أشد عذاب والعذاب المزاد يوماً يوماً فيوماً من أشد العذاب وقيل غير ذلك فليتأمل . * ( إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً ) * . * ( إنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً ) * شروع في بيان محاسن أحوال المؤمنين أثر بيان سوء أحوال الكافرين ومفازاً مصدر ميمي أو اسم مكان أي أن للذين يتقون عمل الكفر فوزاً وظفراً بمساعيهم أو موضع فوز وقيل نجاة مما في أولئك أو موضع نجاة . * ( حَدَآئِقَ وَأَعْنَاباً ) * * ( حَدَائِقَ ) * بدل اشتمال من مفازاً على الأول وبدل البعض على الثاني والرابط مقدر وتقديره حدائق فيه أو هي في محله أو نحو ذلك وجوز أن يكون بدل كل على الادعاء أو منصوباً باعني مقدراً وهو جمع حديقة وهي بستان فيها أنواع الشجر المثمر زاد بعضهم والرياحين والزهر وقال الراغب قطعة من الأرض ذات ماء سميت بذلك تشبيهاً بحدقة العين في الهيئة وحصول الماء فيها وكأنه أراد ذات ماء وشجر * ( وأعنَاباً ) * جمع عنب ويقال للكرم نفسه ولثمرته والمتبادر عطفه على حدائق قبله وهو بعض منها إذا أريد به الكروم وبها الأشجار وموضعها وخص بالذكر اعتناء به وأما إن أريد به الكروم وبها الموضع فقط فلا ويتعين الاشتمال كما إذا أريد به ثمرات الكرون وجوز أن يكون هو وكذا ما بعد عطف على مفازاً . * ( وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً ) * * ( وَكَوَاعِبَ ) * جمع كاعب وهي المرأة التي تكعب ثدياها واستدار مع ارتفاع يسير ويكون ذلك في سن البلوغ وأحسن التسوية * ( أتْرَاباً ) * أي لذات ينشأن معاً تشبيهاً في التساوي والتماثل بالترائب التي هي ضلوع الصدر أو لوقوعهن معاً على التراب أي الأرض وفي بعض التفاسير نساء الجنة كلهن بنات ست عشرة سنة ورجالهن أبناء ثلاث وثلاثين . * ( وَكَأْساً دِهَاقاً ) * * ( وكَأْساً دِهَاقاً ) * أي مترعة يقال دهق فلان الحوض وأدهقه أي ملأه وروى عن ابن عباس أنه فسره بذلك وأنشد قول الشاعر : أتانا عامر يبغي قرانا * فاتر عنا له كأسا دهاقا وفي البحر الدهاق الملأى مأخوذ من الدهق وهو ضغبط الشيء وشده باليد كأنه لامتلائه انضغط وعن مجاهد وجماعة تفسيره بالمتتابعة وصحح الحاكم عن ابن عباس ما رواه غير واحد أنه قال هي الممتلئة المترعة المتتابعة وربما سمعت العباس يقول يا غلام اسقنا وأدهق لنا وأخرج ابن جرير عن عكرمة أنه قال أي صافية ولا يخلو عن كدر والجمهور على الأول . * ( لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَاباً ) * * ( لا يَسْمَعُونَ فِيهَا ) * أي في الجنة وقيل في الكأس وجعلت الفاء للسببية * ( لَغْواً ) * هو ما لا يعتد به من الكلام وهو على ما قال الراغب الذي يورد لا عن روية وفكر فيجري مجرى اللغا وهو صوت العصافير ونحوها من الطير وقد يسمى كل كلام قبيح لغواً وكذا ما لا يعتد به مطلقاً * ( وَلاَ كِذَّاباً ) * أي تكذيباً وقرئ بالتخفيف أي كذاباً أو مكاذبة وقد تضمنت هذه المذكورات أنواعاف من الذات الحسية كما لا يخفى . * ( جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَاباً ) * * ( جَزَآءً مِنْ رَبِّكَ ) * مصدر مؤكد منصوب بمعنى أن للمتقين مفازاً فإنه في قوة أن يقال جازى المتقين بمفازا جزاء كائناً من ربك والتعرض لعنوان الربوبية للإشارة إلى أن ذلك حصل بترتيبه وإرشاده تعالى وإضافة الرب إلى ضميره عليه الصلاة والسلام دونهم لتشريفه صلى الله عليه وسلم وقيل لم يقل من ربهم لئلا يحملهم المشكرون على أصنامهم وهو بعيد جداً ويعلم مما ذكرنا وجه ترك من ربك فيما تقدم من قوله تعالى جزاء وفاقاً وعدم التعرض هناك لنسبة الجزاء إليه تعالى بعنوان آخر قيل من باب اللهم أن الخير بيديك والشر ليس إليك وقوله تعالى : * ( عَطَاءً ) * أي تفضلاً وإحساناً منه عز وجل إذ لا يجب عليه سبحانه شيء بدل من جزاء فمعنى كونه جزاء أنه كذلك بمقتضى وعده جل وعلا وجوز أن يكون نصباً بجزاء نصب المفعول به وتعقبه أبو حيان بأن جزاء مصدر مؤكد لمضمون الجملة والمصدر المؤكد لا يعمل بلا خلاف نعلمه عند النحة لأنه لا ينحل لفعل وحرف مصدري ورد بأن ذلك إذا كان الناصب للمفعول المطلق مذكور أما