ابن قيم الجوزية
139
الطب النبوي
كما ذكرنا ذلك في كتابنا الكبير في شرحها ؟ ! . وحقيق بسورة هذا بعض شأنها : أن يستشفى بها من الأدواء ، ويرقى بها اللديغ . وبالجملة : فما تضمنته الفاتحة - : من إخلاص العبودية ، والثناء على الله ، وتفويض الامر كله إليه ، والاستعانة به والتوكل عليه ، وسؤاله مجامع النعم كلها ، وهى : الهداية التي تجلب النعم ، وتدفع النقم . - من أعظم الأدوية الشافية الكافية . وقد قيل : إن موضع الرقية منها : ( إياك نعبد وإياك نستعين ) . ولا ريب أن هاتين الكلمتين من أقوى أجزاء هذا الدواء ، فإن فيهما - : من عموم التفويض والتوكل ، والالتجاء والاستعانة ، والافتقار والطلب ، والجمع بين أعلى الغايات ، وهى : عبادة الرب وحده ، وأشرف الوسائل ، وهى : الاستعانة به على عبادته . - ما ليس في غيرها . ولقد مر بي وقت بمكة : سقمت فيه ، وفقدت الطبيب والدواء ، فكنت أتعالج بها : آخذ شربة من ماء زمزم ، وأقرؤها عليها مرارا ، ثم أشربه ( 1 ) . فوجدت بذلك البرء التام . ثم صرت أعتمد ذلك عند كثير من الأوجاع ، فأنتفع بها غاية الانتفاع . ( فصل ) وفى تأثير الرقي بالفاتحة وغيرها ، في علاج ذوات السموم ، سر بديع . فإن ذوات السموم أثرت بكيفيات نفوسها الخبيثة كما تقدم ، وسلاحها : حمتها ( 2 ) التي تلدغ بها ، وهى لا تلدغ حتى تغضب ، فإذا غضبت : ثار فيها السموم ، فتقذفه بآلتها ( 3 ) . وقد جعل الله سبحانه لكل داء دواء ، ولكل شئ ضدا . ونفس ( 4 ) الراقي تفعل في نفس المرقى ، فيقع بين نفسيهما ( 5 ) فعل وانفعال - كما يقع بين الداء والدواء - : فتقوى نفس المرقى وقوته بالرقية على ذلك الداء ، فيدفعه بإذن الله . ومدار تأثير الأدوية والأدواء ، على الفعل والانفعال . وهو كما يقع بين الداء والدواء الطبيعيين ، يقع بين الداء والدواء
--> ( 1 ) كذا بالزاد 122 . وفى الأصل : أشرب . ولعله تحريف . ( 2 ) بالأصل والزاد : حماتها . وهو تحريف . وأصل " الحمة " : السم . ثم أطلقت على إبرة نحو العقرب للمجاورة : لان السم يخرج منها . انظر : النهاية 1 / 262 ، والمختار والمصباح ( حمى ) . ( 3 ) كذا بالزاد . وفى الأصل : بالنهار . وهو تصحيف . ( 4 ) بالزاد : نفس . وهو تحريف . ( 5 ) بالأصل والزاد : نفسهما . ولعله تحريف .