ابن قيم الجوزية

13

الطب النبوي

الزوال أو سريعه . فإذا توسط في الغذاء ، وتناول منه قدر الحاجة ، وكان معتدلا في كميته وكيفيته - : كان انتفاع البدن به أكثر من انتفاعه بالغذاء الكثير . ومراتب الغذاء ثلاثة : ( أحدها ) : مرتبة الحاجة ، ( والثانية ) مرتبة الكفاية ، ( والثالثة ) : مرتبة الفضلة . فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم : أنه يكفيه لقيمات يقمن صلبه ، فلا تسقط قوته ولا تضعف معها ، فإن تجاوزها فليأكل في ثلث بطنه ، ويدع الثلث الاخر للماء ، والثالث للنفس . وهذا من أنفع ما للبدن والقلب : فإن البطن إذا امتلا من الطعام ، ضاق عن الشراب . فإذا أورد عليه الشراب : ضاق عن النفس ، وعرض له الكرب والتعب ، وصار محمله بمنزله حامل الحمل الثقيل . هذا إلى ما يلزم ذلك : من فساد القلب ، وكسل الجوارح عن الطاعات ، وتحركها في الشهوات التي يستلزمها الشبع . فامتلاء البطن من الطعام مضر للقلب والبدن ( 1 ) . هذا إذا كان دائما أو أكثريا . وأما إذا كان في الأحيان ، فلا بأس ( به ) ( 2 ) : فقد شرب أبو هريرة بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم من اللبن ، حتى قال : " والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكا " ، وأكل الصحابة بحضرته مرارا ، حتى شبعوا . والشبع المفرط يضعف القوى والبدن : وإن أخصبه . وإنما يقوى البدن بحسب ما يقبل من الغذاء ، لا بحسب كثرته . ولما كان في الانسان جزء أرضي ، وجزء هوائي ، وجزء مائي - : قسم النبي صلى الله عليه وسلم ، طعامه وشرابه ونفسه ، على الاجزاء الثلاثة . فإن قيل : فأين حظ جزء النار ( 3 ) ؟ . قيل : هذه المسألة تكلم فيها الأطباء ، وقالوا : إن في البدن جزءا ناريا بالفعل ، وهو أحد أركانه وإسطقساته ( 4 ) .

--> ( 1 ) قال الشافعي رضي الله عنه : " ما شبعت منذ ست عشرة سنة ، إلا شبعة طرحتها . لان الشبع : يثقل البدن ، ويقسى القلب ، ويزيل الفطنة ، ويجلب النوم ، ويضعف صاحبه عن العبادة " . انظر : آداب الشافعي لابن أبي حاتم الرازي ، وهامشه ( ص 106 ) . ( 2 ) زيادة جيدة : عن الزاد ( 68 ) . ( 3 ) كذا بالأصل . وفى الزاد : " الجزء الناري " . ( 4 ) أي : أصوله . جمع " إسطقس " . وهو لفظ يوناني بمعنى : الأصل . وسموا العناصر الأربع - التي هي : الماء ، والأرض ، والهواء ، والنار . - إسطقسات : لأنها أصول المركبات التي هي : الحيوانات والنباتات والمعادن ، عندهم . اه‍ ق