ابن قيم الجوزية

100

الطب النبوي

فاعلم أن مادة السحر الذي أصيب به النبي صلى الله عليه وسلم ، انتهت إلى رأسه : إلى إحدى قواه التي فيه ، بحيث كان يخيل إليه أنه يفعل الشئ ولم يفعله . وهذا تصرف من الساحر في الطبيعة والمادة الدموية : بحيث غلبت تلك المادة على البطن المقدم منه ، فغيرت مزاجه عن طبيعته الأصلية . والسحر ( 1 ) مركب من تأثيرات الأرواح الخبيثة ، وانفعال القوى الطبيعية عنها . وهو سحر التمريجات ( 2 ) . وهو أشد ما يكون من السحر ، ولا سيما في الموضع الذي انتهى ( 3 ) إليه السحر . واستعمال الحجامة على ذلك المكان - الذي تضررت أفعاله بالسحر - من أنفع المعالجة : إذا استعملت على القانون الذي ينبغي . قال أبقراط : " الأشياء التي ينبغي أن تستفرغ يجب أن تستفرغ من ( 4 ) المواضع التي هي إليها أميل ، بالأشياء التي تصلح لاستفراغها " . وقالت طائفة من الناس : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصيب بهذا الداء ، وكان يخيل إليه أنه فعل الشئ ولم يفعله - : ظن أن ذلك عن مادة دموية أو غيرها ، مالت إلى جهة الدماغ ، وغلبت على البطن المقدم منه ، فأزالت مزاجه عن الحالة الطبيعية له . وكان استعمال الحجامة - إذ ذاك - من أبلغ الأدوية ، وأنفع المعالجة ، فاحتجم . وكان ذلك قبل أن يوحى إليه : أن ذلك من السحر . فلما جاءه الوحي من الله تعالى ، وأخبره أنه قد سحر - : عدل إلى العلاج الحقيقي ، وهو استخراج السحر وإبطاله ، فسأل الله سبحانه : فدله على مكانه ، فاستخرجه . فقام كأنما نشط من عقال . وكان غاية هذا السحر فيه إنما هو في جسده وظاهر جوارحه ، لاعلى عقله وقلبه . ولذلك لم يكن يعتقد صحة ما يخيل إليه : من إتيان النساء ، بل يعلم أنه خيال لا حقيقة له . ومثل هذا قد يحدث من بعض الأمراض . والله أعلم . ( فصل ) ومن أنفع علاجات السحر : الأدوية الإلهية : بل هي أدويته النافعة بالذات . فإنه من تأثيرات الأرواح الخبيثة السفلية . ودفع تأثيرها يكون بما يعارضها ويقاومها :

--> ( 1 ) بالزاد 104 زيادة : " هو " . ( 2 ) بالزاد : " التمريجات " . وهو تصحيف . ( 3 ) بالزاد : " انتهى السحر إليه " . ( 4 ) كذا بالزاد . وفى الأصل : " في " . ولعله تصحيف .