الشيخ الطوسي
439
التبيان في تفسير القرآن
الآخرة أهلكوا ببغي بعضهم على بعض ، فتفاتوا بالقتل - ذكره ابن إسحاق - وقال الحسن : الأولى أي قبلكم ، وإنما فتحت ( أن ) في المواضع كلها ، لأنها عطف على قوله " أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى أن لا تزر وازرة وزر أخرى " وبكذا وكذا ، فلما حذف الباء نصبه . وقوله " وثمود فما أبقى " نصب ب ( أهلك ) الذي قبله ، وتقديره وأهلك ثمودا فما أبقى ، ولا يجوز أن يكون منصوبا بقوله " فما أبقى " لان ( ما ) لا يعمل ما بعدها في ما قبلها ، لا تقول : زيدا ما ضربت ، لأنها من الحروف التي لها صدر الكلام ، كألف الاستفهام . وقوله " وقوم نوح من قبل " معناه وأهلكنا قوم نوح من قبل قوم صالح " إنهم كانوا هم أظلم وأطغى " فالأظلم الأعظم ظلما ، والأطغى الأعظم طغيانا ، فالظلم يتعاظم كما يتعاظم الضرر ، وعظم الظلم بحسب عظم الزاجر عنه . وقيل : مكث نوح في قومه يدعوهم إلى الله وكلما دعاهم فما يزدادون إلا تتابعا في الضلال وتواصيا بالتكذيب لامر الله - في قول قتادة - وقوله " والمؤتفكة " يعني المنقلبة ، وهي التي صار أعلاها أسفلها ، وأسفلها أعلاها ائتفكت بهم تؤتفك ائتفاكا ، ومنه الافك الكذب ، لأنه قلب المعنى عن وجهه . ومعنى " أهوى " نزل بها في الهوى ، ومنه الهوى : أهوى بيده ليأخذ كذا ، وهوى هواء إذا نزل في الهواء ، فأما إذا نزل في سلم أو درجة ، فلا يقال : أهوى ، ولا هوى . وقيل : قرية سدوم ، قوم لوط ، رفعها جبرائيل إلى السماء ثم أهوى بها قالبا لها - في قول مجاهد وقتادة - وقوله " فغشاها ما غشى " يعني من الحجارة المسومة التي رموا بها من السماء - في قول قتادة وابن زيد - والمعنى فجللها من العذاب ما يعمها حتى أتى عليها ( ما غشى ) وفيه تفخيم شأن العذاب الذي رماها به ونالها من جهة إبهامه في قوله " ما غشى " كأنه قد جل الامر عن أن يحتاج