الشيخ الطوسي
171
التبيان في تفسير القرآن
بين ( إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ) ويأخذون ما ليس لهم ويتعدون عليهم ( ويبغون ) عليهم ( في الأرض بغير الحق ) لأنه متى سعى فيها بالحق لم يكن مذموما به إن طلب بذلك ما أباحه الله له ( أولئك لهم عذاب اليم ) اخبار منه تعالى أن من قدم وصفه لهم عذاب موجع مؤلم . ثم مدح تعالى من صبر على الظلم ولم ينتصر لنفسه ولا طالب به ويغفر لمن أساء إليه بأن قال ( ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ) أي من ثابت الأمور التي أمر الله بها فلم ينسخ . و ( عزم الأمور ) هو الاخذ بأعلاها في باب نيل الثواب والاجر واحتمال الشدائد على النفس وإيثار رضا الله على ما هو مباح . وقيل : ( ان ذلك لمن عزم الأمور ) جواب القسم الذي دل عليه ( لمن صبر وغفر ) كما قال ( لئن اخرجوا لا يخرجون معهم ) ( 1 ) وقيل : بل هي في موضع الخبر . كأنه قال إن ذلك منه لمن عزم الأمور ، وحسن ذلك مع طول الكلام . وقوله ( ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده ) يحتمل أمرين : أحدهما - ان من أضله الله عن طريق الجنة إلى عذاب النار فليس له ناصر ينصره عليه ويرفعه عنه من بعد ذلك بالتخليص منه . والثاني - أن من حكم الله بضلاله وسماه ضالا عن الحق فما له من ولي ولا ناصر يحكم بهدايته ويسميه هاديا . ثم قال ( وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل ) اخبار منه تعالى إنك يا محمد ترى الظالمين إذا شاهدوا عذاب النار يقولون هل إلى الرجوع والرد إلى دار التكليف . من سبيل تمنيا منهم لذلك والتجاء إلى هذا القول لما ينزل بهم من البلاء . مع علمهم بأن ذلك لا يكون ، لان معارفهم ضرورية .
--> ( 1 ) سورة 59 الحشر آية 12