الشيخ الطوسي

514

التبيان في تفسير القرآن

كانت تتلقف الأجسام التي هي العصا والحبال . ومنها ان ( ما ) في قوله * ( وما تعملون ) * لا يخلو من أن تكون بمعنى ( الذي ) أو تقع مع بعدها بمنزلة المصدر ، فان كانت بمعنى ( الذي ) ف‍ ( تعملون ) صلتها ، ولابد لها من عائد يعود إليها ، فليس لهم أن يقدروا فيها ضميرا لها ليصح ما قالوه ، لان لنا أن نقدر ضميرا فيه فيصح ما نقوله ، ويكون التقدير : وما يعملون فيه ، والذي يعملون فيه هي الأجسام وإن كانت مصدرية فإنه يكون تقديره : والله خلقكم وعملكم ، ونفس العمل يعبر به عن المعمول فيه بل لا يفهم في العرف إلا ذلك ، يقال فلان يعمل الخوص ، وفلان يعمل السروج ، وهذا الباب من عمل النجار ، والخاتم من عمل الصانع ، ويريدون بذلك كله ما يعملون فيه ، فعلى هذا تكون الأوثان عملا لهم بما يحدثون فيها من النحت والنجر ، على أنه تعالى أضاف العمل إليهم بقوله * ( وما تعملون ) * فكيف يكون ما هو مضاف إليهم مضافا إلى الله تعالى وهل يكون ذلك إلا متناقضا . ومنها أن الخلق في أصل اللغة هو التقدير للشئ وترتيبه ، فعلى هذا لا يمتنع أن نقول : إن الله خالق أفعالنا بمعنى أنه قدرها للثواب والعقاب ، فلا تعلق للقوم على حال . ثم حكى تعالى ما قال قوم إبراهيم بعضهم لبعض فإنهم * ( قالوا إبنوا له بنيانا ) * قيل : انهم بنوا له شبه الحظيرة . وقيل مثل التنور وأججوا نارا ليلقوه فيها . والبناء وضع الشئ على غيره على وجه مخصوص ، ويقال لمن رد الفرع إلى الأصل بناه عليه . * ( فالقوه في الجحيم ) * بمعنى اطرحوه في النار التي أججوها له . والجحيم عند العرب النار التي تجتمع بعضها على بعض .