الشيخ الطوسي
296
التبيان في تفسير القرآن
أحسن الله كل شئ خلقه على إرادته ومشيئته ، وأحسن الانسان وخلقه في أحسن صورة . وقيل : معناه إن وجه الحكمة قائم في جميع أفعاله ، ووجوه القبح منتفية منها ، ووجه الدلالة قائم فيها على صانعها ، وكونه عالما . والضمير في قوله " خلقه " كناية عن اسم الله . لما اخبر الله تعالى انه الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام واستولى على العرش ، وانه الذي يدبر الأمور ما بين السماوات والأرض بين - ههنا - ان الذي يفعل ذلك ويقدر عليه هو " عالم الغيب والشهادة " أي يعلم السر والعلانية " العزيز " في انتقامه من أعدائه " الرحيم " بعباده ، المنعم عليهم ، و ( الغيب ) خفاء الشئ عن الادراك . والشهادة ظهوره للادراك فكأنه قال : يعلم ما يصح أن يشاهد ، وما لا يصح أن يشاهد فيدخل في ذلك المعدوم والحياة والموت والقدرة وجميع ما لا يصح عليه الرؤية . والعزيز : هو القادر على منع غيره ولا يقدر الغير على منعه ، وأصله المنع من قولهم : من عزبز ، من غلب سلب ، لان من غلب أسيره فمنعه أخذ سلبه . ثم قال الذي أحسن كل شئ خلقه ، ومعنى ذلك في جميع ما خلقه الله تعالى وأوجده فيه وجه من وجوه الحكمة ، وليس فيه وجه من وجوه القبح . وذلك يدل على أن الكفر والضلال وسائر القبائح ليست من خلقه . ولفظة ( كل ) وإن كانت شاملة للأشياء كلها ، فالمراد به الخصوص - ههنا - لأنه أراد ما خلقه الله تعالى من مقدوراته دون مقدور غيره ، ونصب قوله " خلقه " بالبدل من قوله " كل شئ " كما قال الشاعر : وظعني إليك الليل حضنيه انني * لتلك إذا هاب الهداي فعول ( 1 )
--> ( 1 ) مجاز القرآن 2 / 130