الشيخ الطوسي

162

التبيان في تفسير القرآن

ثم وصف الصابرين الذين ذكرهم فقال " ويدرؤن بالحسنة السيئة " يعني يدفعون بالتوبة المعاصي ، لان الله تعالى يسقط العقاب عندها . وقيل : معناه يدفعون بالكلام الجميل اللغو من كلام الكفار . وقيل : ان ذلك قبل الامر بقتالهم ، ولا يمتنع أن يؤمروا ، بالاعراض عن مكالمتهم مع الامر بقتالهم ، ولا تنافي بينهما على حال . ثم قال " ومما رزقناهم ينفقون " أي جعلنا لهم التصرف فيها ، وملكناهم إياها ينفقون في طاعة الله ، وفي سبيل الخير ، وإذا سمعوا لغوا من الكلام ، ورأوا لغوا من الفعل أعرضوا عنه ، ولم يخاصموا فيه فقالوا لفاعل اللغو " لنا أعمالنا ولكم اعمالكم " أي لنا جزاء اعمالنا ولكم جزاء اعمالكم " سلام عليكم " أي ويقولون لهم قولا يسلمون منه . ويقولون " لا نبتغي الجاهلين " أي لا نطلبهم ولا نجازيهم على لغوهم . واللغو الفعل الذي لا فائدة فيه ، وإنما يفعله فاعله على توهم فاسد ، واللغو واللغا بمعنى واحد . قال الشاعر : عن اللغا ورفث التكلم ( 1 ) ومن أحسن الأدب الاعراض عن لغو الكلام . وقيل : ان هذه الآيات نزلت في عبد الله بن سلام ، وتميم الداري ، والجارود العبدي ، وسلمان الفارسي لما اسلموا نزلت فيهم هذه الآيات - على ما ذكره قتادة - وقال غيره : انها نزلت في أربعين رجلا من أهل الإنجيل كانوا مسلمين بالنبي صلى الله عليه وآله قبل مبعثه : اثنان وثلاثون رجلا من الحبشة أقبلوا مع جعفر بن أبي طالب وقت قدومه ، وثمانية قدموا من الشام : منهم بحيرا ، وابرهه ، والأشرف ، وعامر ، وأيمن وإدريس ، ونافع ، قال قتادة : آتاهم الله أجرهم مرتين ، لايمانهم بالكتاب

--> ( 1 ) مر تخريجه في 2 / 132 ، 164 ، 230 من هذا الكتاب