الآلوسي

175

تفسير الآلوسي

وبإحياء ما يقابلها وانتصاب كفاتاً على الحالية من الأرض وأنت تعلم أن انتصابهما على المفعولية أظهر وبعده انتصابهما على الحالية من محذوف وتنوينهما على ما سمعت أولاً للتكثير وجوز أن يكون للتبعيض بإرادة إحياء الإنس وأمواتهم وهم ليسوا بجميع الأحياء والأموات ولا ينافي ذلك التفخيم نظراً إلى أنه بعض غير محصور كثير في نفسه فلا تغفل واستدل الكيا بالآية على وجوب مواراة الميت ودفنه وقال ابن عبد البر احتج ابن القاسم بها على قطع النباش لأنه تعالى جعل القبر للميت كالبيت للحي فيكون حرزاً ولا يخفى ضعف الاستدلالين . * ( وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِىَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً ) * * ( وجَعَلْنا فِيهَا رَواسِيَ ) * أي جبالاً ثوابت * ( شَامِخاتٍ ) * مرتفعات ومنه شمخ بأنفه ووصف جمع المذكر بجمع المؤنث في غير العقلاء مطرد كأشهر معلومات وتنكيرها للتفخيم أو للإشعار بأن في الأرض جبالاً لم تعرف ولم يوقف عليها فارض الله تعالى واسعة وفيها ما لم يعلمه إلا الله عز وجل وقيل للإشعار بأن في الجبال ما لم يعرف وهو الجبال السماوية وهو مما يوافق أهل الفلسفة الجديدة إذ قالوا بوجود جبال كثيرة في القمر وظنوا وجودها في غيره وتعقب بأنه تفسير بما لم يعرف * ( وأسْقَينَاكُمْ مَاءً فُرَاتاً ) * أي عذباً وذلك بأن خلقناه في أصولها وأجريناه لكم منها في أنهار وأنبعناه في منابع تستمد مما استودعناه فيها وقد يفسر بما هو أعم من ذلك والماء المنزل من السماء . * ( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ) * * ( وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبينَ ) * بأمثال هذه النعم العظيمة . * ( انطَلِقُواْ إِلَى مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ) * * ( انطلقوا ) * أييقال لهم يومئذ للتوبيخ والتقريع انطلقوا * ( إلى ما كنتم به تكذبون ) * في الدنيا من العذاب . * ( انطَلِقُواْ إِلَى ظِلٍّ ذِى ثَلَاثِ شُعَبٍ ) * * ( إنْطَلِقُوا ) * أي خصوصاً فليس تكراراً للأول وقيل هو تكرار له وإن قيد بقوله تعالى : * ( إلَى ظِلٍّ ) * هو ظل دخان جهنم كما قاله جمهور المفسرين فهو كقوله تعالى وظل من يحموم وفيه استعارة تهكمية وقرأ رويس عن يعقوب انطلقوا بصيغة الماضي وهو استئناف بياني كأنه قيل فما كان بعد الأمر فقيل انطلقوا إلى ظل * ( ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ ) * متشعب لعظمه ثلاث شعب كما هو شأن الدخان العظيم تراه يتفرق تفرق الذوائب وفي بعض الآثار يخرج لسان من النار فيحيط بالكفار كالسرادق ويتشعب من دخانها ثلاث شعب فتظلهم حتى يفرغ من حسابهم والمؤمنون في ظل العرش وخصوصية الثلاث قيل أما لأن حجاب النفس عن أنوار القدس الحس والخيال والوهم أو لأن المؤدى إلى هذا العذاب هو القوة الوهمية الشيطانية الحالة في الدماغ والقوة الغضبية السبعية التي عن يمين القلب والقوة الشهوية البهيمية التي عن يساره ولذلك قيل تقف شعبة فوق الكافر وشعبة عن يمينه وشعبة عن يساره وقيل لأن تكذيبهم بالعذاب يتضمن تكذيب الله تعالى وتكذيب رسوله صلى الله عليه وسلم فهناك ثلاثة تكذيبات واعتبر بعضهم التكذيب بالعذاب أصلاً والشعب الثلاث التكذيبان المذكوران وتكذيب العقل الصريح فتأمل وعن ابن عباس يقال ذلك لعبدة الصليب فالمؤمنون في ظل الله عز وجل وهم في ظل معبودهم وهو الصليب له ثلاث شعب . * ( لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِى مِنَ اللَّهَبِ ) * * ( لاَ ظَلِيلٍ ) * أي لا مظلل وهو صفة ثانية لظل ونفى كونه مظللاً عنه والظل لا يكون إلا مظللاً للدلالة على أن جعله ظلاً تهكم بهم ولأنه ربما يتوهم أن فيه راحة لهم فنفى هذا الاحتمال بذلك وفيه تعريض بأن ظلهم غير ظل المؤمنين * ( وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ ) * وغير مفيد في وقت من الأوقات من حر اللهب شيئاً وعد يغني بمن لتضمنه معنى يبعد واشتهر أن هذه الآية تشير إلى قاعدة هندسية وهي أن الشكل المثلث لا ظل له فانظر هل تتعقل ذلك . * ( إِنَّهَا تَرْمِى بِشَرَرٍ كَ الْقَصْرِ ) * * ( إنَّهَا ) * أي النار الدال عليها الكلام وقيل الضمير للشعب * ( تَرْمِي بِشَرَرٍ ) * هو ما تطاير من النار سمي بذلك لاعتقاد الشر فيه وهو اسم جنس جمعي واحده شررة * ( كالْقَصْرِ ) * كالدار الكبيرة