الآلوسي

105

تفسير الآلوسي

قاف وإن الملائكة لو اجتمعت على الحرف أن يقلوه ما أطاقوه حتى يأتي إسرافيل عليه السلام وهو ملك اللوح فيرفعه ويقله بإذن الله تعالى لا بقوته ولكن الله عز وجل طوقه ذلك وهذا مما يحتاج إلى نقل صحيح عن الصادق عليه الصلاة والسلام ولا أظن وجوده . والجملة قيل على معظم هذه الأوجه مستأنفة للتعليل فإن التهجد يعد النفس لأن تعالج ثقله فتأمل . واستدل بالآية على أنه لا ينبغي أن يقال سورة خفيفة لما أن الله تعالى سمى فيه القرآن كله قولاً ثقيلاً وهذا من باب الاحتياط كما لا يخفى . * ( إِنَّ نَاشِئَةَ الَّيْلِ هِىَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً ) * * ( إنَّ نَاشِئَةَ الَّيَّلِ ) * أي أن النفس التي تنشأ من مضجعها إلى العبادة أي تنهض من نشأ من مكانه ونشر إذا نهض وأنشد قوله : نشأنا إلى خوص بري نيها السري * وأشرف منها مشرفات القماحد وظاهر كلام اللغويين أن نشأ بهذا المعنى لغة عربية وقال الكرماني في " شرح البخاري " هي لغة حبشية عربوها وأخرج جماعة نحوه عن ابن عباس وابن مسعود وحكاه أبو حيان عن ابن جبير وابن زيد وجعل ناشئة جمع ناشيء فكأنه أراد النفوس الناشئة أي القائمة ووجه الإفراد ظاهر والإضافة إما بمعنى في أو على نحو سيد غضي وهذا أبلغ أو أن قيام الليل على أن الناشئة مصدر نشأ بمعنى قام كالعاقبة وإسنادها إلى الليل مجاز كما يقال قام ليله وصام نهاره وخص مجاهد هذا القيام بالقيام من النوم وكذا عائشة ومنعت أن يراد مطلق القيام وكان ذلك بسبب أن الإضافة إلى الليل في قولهم قيام الليل تفهم القيام من النوم فيه أو القيام وقت النوم لمن قال الليل كله أو أن العبادة التي تنشأ أي تحدث بالليل على أن الإضافة اختصاصية أو بمعنى في أو على نحو مكر الليل وقال ابن جبير وابن زيد وجماعة ناشئة الليل ساعاته لأنها تنشأ أي تحدث واحدة بعد واحدة أي متعاقبة والإضافة عليه اختصاصية أو ساعاته الأول من نشأ إذا ابتدأ وقال الكسائي ناشئته أوله وقريب منه ما روى عن ابن عمر وأنس بن مالك وعلي بن الحسين رضي الله تعالى عنهم هي ما بين المغرب والعشاء * ( هِيَ أشَدُّ وَطْاً ) * أي هي خاصة دون ناشئة النهار أشد مواطأة يواطئ قلبها لسانها إن أريد بالناشئة النفس المتهجدة أو يواطئ فيها قلب القائم لسانه إن أريد بها القيام أو العبادة أو الساعات والإسناد على الأول حقيقي وعلى هذا مجازي واعتبار الاستعارة المكنية ليس بذاك أو أشد موافقة لما يراد من الإخلاص فلا مجاز على جميع المعاني وقرأ ابن عباس وابن الزبير ومجاهد والعربيان وطاء بكسر الواو وفتح الطاء ممدوداً على أنه مصدر واطأ وطاء كقاتل قتالاً وقرأ قتادة وشبل عن أهل مكة بكسر الواو وسكون الطاء والهمز مقصوراً وقرأ ابن محصن بفتح الواو ممدوداً * ( وَأقْوَمُ قِيلاً ) * أي وأسو مقالاً أو أثبت قراءة لحضور القلب وهدو الأصوات وقيلاً عليهما مصدر لكنه على الأول عام للأذكار والأدعية وعلى الثاني مخصوص بالقراءة ونصبه ونصب وطأ على التمييز وأخرج ابن جرير وغيره عن أنس بن مالك أنه قرأ وأصوب قيلاً فقال له رجل أنا نقرؤها وأقوم قيلاً فقال إن أصوب وأقوم وأهيأ وأشباه هذا واحد . * ( إِنَّ لَكَ فِى النَّهَارِ سَبْحَاً طَوِيلاً ) * * ( إنَّ لَكَ في النَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً ) * أي تقلباً وتصرفاً في مهماتك واشتغالاً بشواغلك فلا تستطيع أن تتفرغ للعبادة فعليك بها في الليل واصل السبح المر السريع في الماء فاستعير للذهاب مطلقاً كما قاله الراغب وأنشدوا قول الشاعر : أباحوا لكم شرق البلاد وغربها * ففيها لكم يا صاح سبح من السبح وهذا بيان للداعي الخارجي إلى قيام الليل بعد بيان ما في نفسه من الداعي وقيل أي إن لك في النهار فراغاً وسعة لنومك وتصرفك في حوائجك وقيل إن فاتك من الليل شيء فلك في النهار فراغ تقدر على تداركه فيه فالسبح لفراغ وهو مستعمل في ذلك لغة أيضاً لكن الأول أوفق لمعنى قولهم سبح في الماء وأنسب للمقام ثم أن