الآلوسي
102
تفسير الآلوسي
كما قاله ابن حجر بل هو مخالف لها ومثل هذه الاحتمالات لا يكتفي بها بل قال أبو حيان أنه كذب صريح وعن قتادة كان صلى الله عليه وسلم قد تزمل في ثيابه للصلاة واستعد لها فنودي بيا أيها المزمل على معنى يا أيها المستعد للعبادة وقال عكرمة المعنى يا أيها المزمل للنبوة وأعبائها والزمل كالحمل لفظاً ومعنى ويقال ازدمله أي احتمله وفيه تشبيه أجراه مراسم النبوة بتحمل الحمل الثقيل لما فيهما من المشقة وجوز أن يكون كناية عن المتثاقل لعدم التمرن وأورد عليه نحو ما أورد على وجه الزمخشري ومع صحة المعنى الحقيقي واعتضاده بالأحاديث الصحيحة لا حاجة إلى غيره كما قيل . * ( قُمِ الَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً ) * * ( قُمِ الَّيْلَ ) * أي قم إلى الصلاة وقيل داوم عليها وأياً ما كان فمعمول قم مقدر والليل منصوب على الظرفية وجوز أن يكون منصوباً على التوسع والإسناد المجازي ونسب هذا إلى الكوفيين وما قيل إلى البصريين وقيل القيام مستعار للصلاة ومعنى قم صل فلا تقدير وقرأ أبو السمال بضم الميم اتباعاً لحركة القاف وقرئ بفتحها طلباً للتخفيف والكسر في قراءة الجمهور على أصل التقاء الساكنين * ( إلاَّ قَلِيلاً ) * استثناءً من الليل وقوله تعالى : * ( نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً ) * * ( نِصْفَهُ ) * بدل من قليلاً بدل الكل والضمير لليل وفي هذا الإبدال رفع الإبهام وفي الإتيان بقليل ما يدل على أن النصف المغمور بذكر الله تعالى بمنزلة الكل والنصف الفارغ وإن ساواه في الكمية لا يساويه في التحقيق * ( أوِ انْقُص مِنْهُ ) * عطف على الأمر السابق والضمير المجرور لليل أيضاً مقيداً بالاستثناء لأنه الذي سيق له الكلام وقيل للنصف لقربه * ( قَلِيلاً ) * أي نقصاً قليلاً أو مقداراً قليلاً بحيث لا ينحط عن نصف النصف . * ( أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْءَانَ تَرْتِيلاً ) * * ( أوْ زِدْ عَلَيْهِ ) * عطف كما سبق وكذا الكلام في الضمير ولا يختلف المعنى على القولين فيه وهو تخييره صلى الله عليه وسلم بين أن يقوم نصف الليل أو أقل من النصف أو أكثر بيد أنه رجح الأول بأن فيه جعل معيار النقص والزيادة النصف المقارن للقيام وهو أولى من جعله النصف العاري منه بالكلية وإن تساويا كمية وجعل بعضهم الإبدال من الليل الباقي بعد الثنيا والضميرين له وقال في الإبدال من قليل ليس بسديد لهذا ولأن الحقيقي بالاعتناء الذي ينبئ عنه الإبدال هو الجزء الباقي بعد الثنيا المقارن للقيام لا للجزء المخرج العاري عنه ولا يخفى أنه على طرف التمام وكذا اعترض أبو حيان ذلك الإبدال بقوله إن ضمير نصفه حينئذٍ إما أن يعود على المبدل منه أو على المستثنى منه وهو الليل لا جائز أن يعود على المبدل منه لأنه يكون استثناء مجهول من مجهول إذ التقدير إلا قليلاً نصف القليل وهذا لا يصح له معنى البتة ولا جائز أن يعود على المستثنى منه لأنه يلغو فيه الاستثناء إذ لو قيل قم الليل نصفه أو انقص منه قليلاً أو زد عليه أفاد معناه على وجه أخصر وأوضح وأبعد عن الإلباس وفيه أنا نختار الثاني وما زعمه من اللغوية قد أشرنا إلى دفعه وأوضحه بعض الأجلة بقوله إن فيه تنبيهاً على تخفيف القيام وتسهيله لأن قلة أحد النصفين تلازم قلة الآخر وتنبيهاً على تفاوت ما شغل بالطاعة وما خلا منها الإشعار بأن البعض المشغول بمنزلة الكل مع ما في ذلك من البيان بعد الإبهام الداعي للتمكن في الذهن وزيادة التشويق وتعقب السمين الشق الأول أيضاً بأن قوله استثناء مجهول من مجهول غير صحيح لأن الليل معلوم وكذا بعضه من النصف وما دونه وما فوقه ولا ضير في استثناء المجهول من المعلوم نحو فشربوا منه إلا قليلاً بل لا ضير في إبدال مجهول من مجهول كجاءني جماعة بعضهم مشاة ومع هذا المعول عليه ما سلف وجوز أن يكون نصفه بدلاً من الليل بدل بعض من كل والاستثناء منه والكلام على نية التقديم والتأخير والأصل قم نصف الليل إلا قليلاً وضمير منه وعليه للأقل من النصف المفهوم من مجموع المستثنى منه فكأنه قيل قم أقل من نصف الليل بأن تقوم ثلث الليل أو انقص من ذلك الأقل قليلاً بأن تقوم ربع الليل أو زد على ذلك الأقل بأن تقوم النصف فالتخيير على هذا بين الأقل من النصف والأقل من الأقل والأزيد منه وهو النصف