الشيخ الطوسي

43

التبيان في تفسير القرآن

الباقون بلا ميم . اخبر الله تعالى عن أحد الرجلين اللذين ضرب بهما المثل ، وهو صاحب الجنتين انه دخل جنته وهي البستان الذي يجنه الشجر ويحفه الزهر ، " وهو ظالم لنفسه " أي باخس لها حقها بارتكاب القبيح والاخلال بالواجب اللذين يستحق بهما العقاب ويفوته بهما الثواب ، فلما رأى هذا الجاهل ما راقه وشاهد ما أعجبه ، وكبر في نفسه توهم أنه يدوم ، وأن مثله لا يفنى ، فقال " ما أظن أن تبيد هذه أبدا " أي تهلك هذه الجنة أبدا " وما أظن الساعة قائمة " يعني يوم القيامة أي تقوم ، كما يدعيه الموحدون . ثم قال " ولئن رددت إلى ربي " وجدت " خيرا منها " يعني من الجنة . ومن قرأ " منهما " أراد الجنتين " منقلبا " أي في المرجع إليه . وإنما قال هذا مع كفره بالله تعالى ، لان المعنى ان رددت إلى ربي ، كما يدعى من رجوعي ، فلي خير من هذه ، تحكما سولته له نفسه ، لا مطمع فيه . وقال ابن زيد : شك ، ثم قال على شكه في الرجوع إلى ربه ما أعطاني هذه الأولى عنده خير منها " فقال له صاحبه وهو يحاوره " أي يراجعه الكلام " أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا " ومعنى خلقك من تراب أن أصلك من تراب إذ خلق أباك آدم ( ع ) من تراب ، فهو من تراب ويصير إلى التراب ، وقيل لما كانت النطفة يخلقها الله بمجرى العادة من الغذاء ، والغذاء نبت من التراب ، جاز أن يقال : خلقك من تراب ، لان أصله تراب كما قال من نطفة ، وهو في هذه الحال خلق سوي حي ، لكن لما كان أصله كذلك جاز أن يقال ذلك . وفى الآية دلالة على أن الشك في البعث والنشور كفر ، والوجه في خلق البشر وغيره من الحيوان وتنقله من تراب إلى نطفة ، ثم إلى علقة ، ثم إلى صورة ، ثم إلى طفولية ، ثم إلى حال الرجولية ، ما في ذلك من الاعتبار الذي هو دال على تدبير مدبر