الشيخ الطوسي
294
التبيان في تفسير القرآن
الواحد الذي لا يستحق العبادة سواه ، ومن اعتقده كذلك ، فمعتقده على ما هو به ، وهو محق ، والحق هو ما كان معتقده على ما أعتقده " وانه يحيي الموتى " لان من قدر على انشاء الخلق ابتداء ونقله من حال إلى حال على ما وصف ، فإنه يقدر على إعادته حيا بعد كونه ميتا ، ويعلم أيضا انه قادر على كل ما يصح أن يكون مقدورا له ، واصل الوصف بالحق من قولهم : حقه يحقه حقا ، وهو نقيض الباطل . والفرق بين الحق والعدل أن العدل جعل الشئ على قدر ما تدعوا إليه الحكمة ، والحق في الأصل جعل الشئ لما هوله في ما تدعو إليه الحكمة غير أنه نقل إلى معنى مستحق لصفات التعظيم ، فالله تعالى لم يزل حقا أي انه لم يزل مستحقا لمعنى صفة التعظيم بأنه الاله الواحد الذي هو على كل شئ قدير . ثم اخبر تعالى ان في جملة الناس من يخاصم " ويجادل في الله " وصفاته " بغير علم " بل للجهل المحض " ولا هدى " أي ولا حجة " ولا كتاب منير " أي ولا حجة كتاب ظاهر ، وهذا يدل أيضا على أن الجدال بالعلم صواب ، وبغير العلم خطأ ، لان الجدال بالعلم يدعو إلى اعتقاد الحق ، وبغير العلم يدعو إلى الاعتقاد بالباطل ، ولذلك قال تعالى " وجادلهم بالتي هي أحسن " ( 1 ) " وقوله " ثاني عطفه " نصب على الحال يعني الذي يجادل بغير علم يثني عطفه . قال مجاهد وقتادة : يلوي عنقه كبرا . وقيل إنها : نزلت في النضر بن الحارث ابن كلدة - ذكره ابن عباس - . وقوله " ليضل عن سبيل الله " من فتح الياء معناه يفعل هذا ليضل عن طريق الحق المؤدي إلى توحيد الله . ومن ضم الياء أراد انه يفعل ذلك ليضل غيره . ثم اخبر تعالى ان من هذه صفته " له في الدنيا خزي " وأنه يذيقه " عذاب
--> ( 1 ) سورة 16 النحل آية 125