الشيخ الطوسي
161
التبيان في تفسير القرآن
لما كان رضا أحدهما رضا الآخر ، ومثله قوله " والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله " ( 1 ) ولم يقل ينفقونهما لدلالته على ذلك و " الثرى " التراب الندي ، فله تعالى " ما تحت الثرى " إلى حيث انتهى ، لأنه مالكه وخالقه ومدبره ، وكل شئ ملكه يصح ، والله تعالى مالكه بمعنى أن له التصرف فيه كيف شاء . وقوله " وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى " معناه وإن تجهر بالقول لحاجتك لسمعه أي تجهر به ، فإنه تعالى يعلم السر وأخفى من السر . ولم يقل وأخفى منه ، لأنه دال عليه ، كما يقول القائل : فلان كالفيل أو أعظم ، وهذا كالحبة أو أصغر . والجهر رفع الصوت يقال : جهر يجهر جهرا ، فهو جاهر والصوت مجهور ، وضده الهمس . و ( السر ) ما حدث به الانسان غيره في خفية ، وأخفى منه ما أضمره في نفسه ولم يحدث به غيره - هذا قول ابن عباس - وقال قتادة وابن زيد وسعيد بن جبير : السر ما أضمره العبد في نفسه . وأخفى منه ما لم يكن ولا أضمره أحد . وقال قوم : معناه يعلم السر والخفي . وضعف هذا لأنه ترك الظاهر وعدول بلفظه ( أفعل ) إلى غير معناها من غير ضرورة ، ولان حمله على معنى أخفى أبلغ إذا كان بمعنى أخفى من السر ، فلما قول الشاعر : تمنى رجال ان أموات وإن أمت * فتلك سبيل لست فيها بأوحد ( 2 ) إنما حمل على أن المراد ( بأوحد ) أحد ، لان الوحدة لا يقع فيها تعاظم ، فأخرجه الشاعر مخرج ما فيه تعاظم ورد المعنى إلى الواحد . ثم اخبر تعالى بأنه " الله " الذي تحق له العبادة " لا إله " يحق له العبادة " إلا هو له الأسماء الحسنى " وإنما ذكر الحسنى بلفظ التوحيد ولم يقل الاحاسن ، لان الأسماء مؤنثة يقع عليها ( هذه ) كما
--> ( 1 ) سورة 9 التوبة آية 35 ( 2 ) تفسير الطبري 16 / 93 .