الشيخ الطوسي
114
التبيان في تفسير القرآن
وقوله " إذ انتبذت من أهلها " فالانتباذ اتخاذ الشئ بالقاء غيره عنه ، والأصل الالقاء من قولهم : نبذه وراء ظهره أي ألقاه ، وفي هذا الطعام نبذ من شعير اي مقدار كف منه ، والنبذ الطرح . وقال قتادة : معنى انتبذت انفردت . وقيل : معناه اتخذت مكانا تنفرد فيه بالعبادة . وقيل معناه تباعدت . وقوله " مكانا شرقيا " يعني الموضع الذي في جهة الشرق ، قال جرير : هبت جنوبا فذكرى ما ذكرت لكم * عند الصفاة التي شرقي حورانا ( 1 ) وقال السدي : معنى " فاتخذت من دونهم حجابا " أي حجابا من الجدران . قال ابن عباس : إنما جعلت النصارى قبلتهم إلى المشرق ، لان مريم اتخذت من جهة المشرق موضع صلاتها . وقال ابن عباس : معنى " من دونهم حجابا " أي من الشمس جعله الله لها ساترا . وقوله " فأرسلنا إليها روحنا " قال الحسن وقتادة والضحاك والسدي ، وابن جريج ، ووهب بن منية : يعني جبرائيل ( ع ) وسماه الله ( روحا ) لأنه روحاني لا يشبه شيئا من غير الروح . وخص بهذه الصفة تشريفا له . وقيل لأنه تحيا به الأرواح بما يؤديه إليهم من أمر الأديان والشرائع . وقوله " فتمثل لها بشرا سويا " أي تمثل لها جبرائيل في صورة البشر " سويا " أي معتدلا ، فلما رأته مريم ، " قالت إني أعوذ بالرحمن منك ان كنت تقيا " تخاف عقوبة الله . فان قيل كيف تعوذت منه إن كان تقيا ؟ والتقي لا يحتاج أن تتعوذ منه ، وإنما يتعوذ من غير التقي ! ! قيل المعنى في ذلك إن التقي للرحمن إذا تعوذ بالرحمن منه ارتدع عما يسخط
--> ( 1 ) ديوانه ( دار بيروت ) 493 وروايته ( ذكرتكم ) بدل ( ذكرت لكم )