الشيخ الطوسي

505

التبيان في تفسير القرآن

الدنيا ، وهي شاهدة له من تدبيرها وتوثقها وتقلب النعم فيها أعمى عن اعتماد ( 1 ) الصواب الذي هو مقتضاها ، فهو في الآخرة التي هي غائبة ( 2 ) عنه " أعمى وأضل سبيلا " وقال قوم : من كان في هذه الدنيا أعمى عن طريق الحق ، فهو في الآخرة أعمى عن الرشد المؤدي إلى طريق الجنة . وقال أبو علي : فهو في الآخرة أعمى عن طريق الجنة . ومن فخم في الموضعين ، فلان الياء فيهما قد صارت ألفا لانفتاح ما قبلها . والأصل فمن كان في هذه أعمى ، فهو في الآخرة أعمى ، ومن كان فيما وضعناه من نعيم الدنيا أعمى ، فهو في نعيم الآخرة أعمى . واما تفريق أبي عمرو بين اللفظين فلاختلاف المعنى ، فقال ومن كان في هذه أعمى ممالا ، فهو في الآخرة أعمى بالفتح اي أشد عما ، فجعل الأول صفة بمنزلة أحمر وأصفر ، والثاني بمنزلة أفعل منك ، كقوله " وأضل سبيلا " اي أعمى قلبا . والعمى في العين لا يتعجب منه بلفظة ( أفعل ) ، ولا يقال ما أعماه ، بل يقال ما أشد عماه ، وفي القلب ما أعماه بغير أشد ، لان عما القلب حمق ، كما قال الشاعر لمرور ما أحمره وأبيضه ، فقال : أما الملوك فأنت اليوم الامهم * لؤما وأبيضهم سربال طباخ ( 3 ) وقال بعضهم : لا وجه لتفريق أبي عمرو ، لان الثاني ، وإن كان بمعنى ( أفعل منك " فلا يمنع من الإمالة ، كما لم يمنع بالذي هو أدنى ، قال ابن خالويه أبو عبد الله إنما أراد أبو عمرو ان يفرق بينهما لما اختلف معناهما ، واجتمعا في آية واحده ، كما قرأ " ويوم القيامة يردون " يعني الكفار ، ثم قال في آخر ؟ " عما تعملون " ( 4 ) اي أنتم وهم ، ولو وقع مفردا ، لأجاز الإمالة والتفخيم فيهما ، قال أبو علي : ومن أمال الجميع كان حسنا ، لأنه ينحو نحو الياء بالألف ليعلم انها منقلبة إلى الياء وان كانت فاصلة أو مشبهة للفاصلة ، فالإمالة حسنة فيها ، لان الفاصلة موضع

--> ( 1 ) في المخطوطة ( اعتقاد ) ( 2 ) أثبتنا ما في المخطوطة ، وكان في المطبوعة ( غايته ) ( 3 ) تفسير القرطبي 10 / 299 وتفسير الشوكاني 3 / 238 ( 4 ) سورة البقرة آية 85