الشيخ الطوسي

446

التبيان في تفسير القرآن

وقوله " ليلا " معناه بعض الليل ، على تقليل وقت الاسراء ، ويقوي ذلك قراءة حذيفة ، وعبد الله " من الليل " وروت أم هاني بنت أبي طالب : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في منزلها ليلة أسري به . وقال الحسن وقتادة : كان في نفس المسجد الحرام . وروي عن أم هاني أن الحرم كله مسجد . والمسجد الأقصى هو بيت المقدس ، وهو مسجد سليمان بن داود - في قول الحسن وغيره من المفسرين - وإنما قيل له : الأقصى ، لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام . وقال الحسن : صلى النبي صلى الله عليه وسلم المغرب في المسجد الحرام . ثم أسري به إلى بيت المقدس في ليلة ثم رجع ، فصلى الصبح في المسجد الحرام ، فلما اخبر به المشركين كذبوا ذلك ، وقالوا : يسير مسيرة شهر في ليلة واحدة ؟ ! وجعلوا يسألون عن بيت المقدس وما رأى في طريقه ، فوصفه لهم شيئا شيئا بما يعرفونه ثم أخبرهم انه رأى في طريقه قعبا مغطا مملوءا ماء فشرب الماء كله ثم غلطاه كما كان ، ووصف لهم صفة إبل كانت لهم في طريق الشام تحمل المتاع ، فقال تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق ، فقعدوا في ذلك اليوم يستقبلونها ، فقال قائل منهم : هذه والله الشمس قد أشرقت ، ولم تأت وقال آخر هذا والله العير يقدمها جمل اورق ، كما ذكر محمد ، فكان ذلك معجزة له باهرة ، ودلالة واضحة لولا العناد ، وكان نفس الاسراء حجة له صلى الله عليه وسلم لا انه يحتاج إلى دلالة كغيره ، ولذلك قال تعالى " لنريه من آياتنا " فكان الاسراء من جملة الآيات التي تأكد بها يقينه وازدادت به بصيرته ، لأنه كان قد علم نبوته بما تقدم له من الآيات ، فكان هذا على وجه التأكيد لذلك . وعند أصحابنا وأكثر أصحاب التأويل ، وذكره الجبائي أيضا : انه عرج به في تلك الليلة إلى السماء وأت حتى بلغ سدرة المنتهى في السماء السابعة ، واراه الله من آيات السماوات والأرض ما ازداد به معرفة ويقينا ، وكان ذلك في يقظته دون منامه ، والذي يشهد به القرآن الاسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، والباقي يعلم بالخبر . وقوله " الذي باركنا حوله " يعني بالثمار ومجاري الأنهار ، وقيل " باركنا "