الشيخ الطوسي
431
التبيان في تفسير القرآن
كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون ) ( 111 ) آيتان بلا خلاف . قرأ ابن عامر وحده " فتنوا " جعل الفعل لهم . الباقون " فتنوا " على ما لم يسم فاعله ، يقال : فتنت زيدا ، وهي اللغة الجيدة ، وحكي افتنت . وحجة من قرأ على ما لم يسم فاعله أن الآية نزلت في المستضعفين المفتنين بمكة : عمار وبلال ، وصهيب ، فإنهم حملوا على الارتداد عن دينهم ، فمنهم من اعطى ذلك تقية منهم : عمار ، فإنه اظهر ذلك تقية ، ثم هاجر . ومعنى قراءة بن عامر : انه فتن نفسه ، والمعنى من بعد ما فتن بعضهم نفسه باظهار ما أظهره بالتقية قال الرماني : في الآية دلالة على أنهم فتنوا في دينهم بمعصية كانت منهم ، لقوله " ان ربك من بعدها لغفور رحيم " لان المغفرة الصفح عن الخطيئة ، ولو كانوا أعطوا التقية على حقها لم تكن هناك خطيئة . وهذا الذي ذكره ليس بصحيح ، ولا في الكلام دلالة عليه ، وذلك أن الله تعالى إنما قال " ان ربك من بعدها " يعني بعد الفتنة التي فتنوا بها " لغفور رحيم " أي ساتر عليهم ، لان ظاهر ما أظهروه يحتمل القبيح والحسن ، فلما كشف الله عن باطن أمورهم ، وأخبر انهم كانوا مطمئنين بالايمان كان في ذلك ستر عليهم ، وإزالة الظاهر المحتمل إلى الآمر الجلي ، وذلك من نعم الله عليهم . يقول الله تعالى : إن هؤلاء الذين هاجروا بعد ما فتنوا عن دينهم ، وجاهدوا في سبيله وصبروا على الأذى في جنب الله ، فان الله اقسم انه ضمن لهم أن يفعل بهم الثواب ، وساتر عليهم ، ورحيم بهم منعم عليهم . وقوله " يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها " ( يوم ) منصوب بأحد شيئين : أحدهما - على معنى إن ربك من بعدها لغفور رحيم ( يوم ) . الثاني - على معنى واذكر يوم ، لان القرآن عظة وتذكير ، ومعنى تجادل عن نفسها تخاصم كل نفس عن نفسها ، وتحتج بما ليس فيه حجة عند الحساب .