الشيخ الطوسي

412

التبيان في تفسير القرآن

يقول الله تعالى منبها لخلقه على وجه الاستدلال على وحدانيته " ألم يروا " يعني هؤلاء الكفار الجاحدين لربوبيته " إلى الطير " قد سخرها الله " في جو السماء " وسط الهواء ، حتى مكنها ان تتصرف في جو السماء على حسب إرادتها ، ويعلمون أن لها مسخرا ومدبرا ، لا يشبه الأشياء ، لان من المعلوم ان أحدا ، من البشر لا يقدر على مثل ذلك ، ولا يتأتى منه ذلك ، وأن من مكن الطير من تلك الحال قد كان يجوز ان يمكنها منه ابتداء واختراعا ، من غير أسباب أدت إلى أن صارت على تلك الأوصاف ، لأنه قادر لا يعجزه شئ ، ولا يتعذر عليه شئ ، وأنه إنما خلق ذلك ليعتبروا به وينظروا فيه ، فيصلوا به إلى الثواب الذي عرضهم له ، ولو كان فعل ذلك لمجرد الانعام به على العبد كان حسنا ، لكن ضم إلى ذلك التعريض للثواب على ما قلناه . وإنما قال " ما يمسكهن الا الله " وهي تستمسك بالقدرة التي أعطاها الله مبالغة في الصفة بأن الله يمكنها بالهواء الذي تتصرف فيه ، لأنه ظاهر انها بالهواء تستمسك عن السقوط ، وأن الغرض من ذلك تسخير ما سخر لها . ثم قال " ان في " خلق " ذلك " ، على ما وصفه ، لدلالات لقوم يصدقون بتوحيد الله ، ويصدقون أنبياءه وخص المؤمنون بذلك لامرين : أحدهما - من حيث هم المنتفعون بها دون غيرهم . الثاني - لأنهم يدللون بها على مخالفي التوحيد ، وهي دلالة من الله للجميع ، والجو - بالفتح - ما بين السماء والأرض ، قال الأنصاري : ويل أمها في هواء الجو طالبة * ولا كهذا الذي في الأرض مطلوب ( 1 ) ثم عدد في الآية الأخرى نعمه ، فقال : " والله جعل لكم من بيوتكم سكنا " أي مواضع تسكنون فيها " وجعل لكم من جلود الانعام بيوتا تستخفونها " اي يخف عليكم حملها " يؤمن ظعنكم " أي ارتحالكم من مكان

--> ( 1 ) مجاز القرآن 1 / 365 وخزانة الأدب 2 / 212 نسبة إلى امرئ القيس بن حجر الكندي وهو موجود في ديوانه 69 وروايته ( لا كالتي ) والطبري 14 / 93 نسبة إلى إبراهيم بن عمران الأنصاري .