الشيخ الطوسي

297

التبيان في تفسير القرآن

ولا مشير " وأنزل من السماء ماء " يعني غيثا ومطرا فأخرج بذلك الماء الثمرات رزقا لعباده ، وسخر لهم المراكب في البحر لتجري بأمر الله ، لأنها تسير بالرياح والله تعالى المنشئ للرياح " وسخر لكم الأنهار " التي تجري بالمياه التي ينزلها من السماء ، ويجريها في الأودية ، وينصب منها في الأنهار " وسخر لكم الشمس والقمر دائبين " معناه ذلل لكم الشمس والقمر ومهدهما لمنافعكم ، وتدبير الله لما سخره للعباد ظاهر لكل عاقل متأمل لا يمكنه الانصراف عنه إلا على وجه المعاندة والمكابرة ، ولدؤوب مرور الشئ في العمل على عادة جارية فيه دأب يدأب دأبا ودؤوبا فهو دائب ، والمعنى دائبين ، لا يفتران ، في صلاح الخلق والنبات ، ومنافعهم " وسخر لكم الليل والنهار " أي ذللهما لكم ، ومهدهما لمنافعكم ، لتسكنوا في الليل ، وتبتغوا في النهار من فضله " وأتاكم من كل ما سألتموه " معناه ان الانسان قد يسأل الله العافية فيعطي ، ويسأله النجاة فيعطي ، ويسأله الغنى فيعطي ، ويسأله الملك فيعطي ، ويسأله الولد فيعطي ، ويسأله العز وتيسير الأمور وشرح الصدر فيعطي ، فهذا في الجملة حاصل في الدعاء لله تعالى ما لم يكن فيه مفسدة في الدين عليه وعلى غيره ، فأين يذهب به مع هذه النعم التي لا تحصى كثرة ، عن الله الذي هو في كل حال يحتاج إليه ، وهو مظاهر بالنعم عليه . ودخلت ( من ) للتبعيض ، لأنه لو كان وآتاكم كل ما سألتموه لاقتضى ان جميع ما يسأله العبد يعطيه الله ، والامر بخلافه ، لان ( من ) تنبئ عنه . وقال قوم : ليس من شئ الا وقد سأله بعض الناس ، والتقدير كل ما سألتموه قد أتى بعضكم . وقوله " وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها " معناه وان تروموا عدها بقصدكم إليه لا تحصونها لكثرتها ، ويروى عن طلق بن حبيب ، أنه قال : ان حق الله اثقل من أن تقوم به العباد ، وان نعم الله أكثر من أن تحصيها العباد ، ولكن ، أصبحوا تائبين ، وأمسوا تائبين . وقوله " ان الانسان لظلوم كفار " اخبار منه تعالى أن الانسان يعني من تقدم . وصفه بالكفر كثير الظلم لنفسه ولغيره ، وكفور لنعم الله غير مؤد لشكرها .