الشيخ الطوسي

28

التبيان في تفسير القرآن

خافهم إبراهيم من حيث لم ينالوا طعامه ، لان عادة ذلك الوقت إذا قدم الطعام إلى قوم فلا يمسونه ظنوا أنهم أعداء قوله تعالى : ( فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط ) ( 70 ) آية بلا خلاف . قيل في وجه اتيان الملائكة إبراهيم صلى الله عليه وسلم في صورة الأضياف قولان : أحدهما - قال الحسن أنهم اتوه على الصفة التي كان يحبها ، لأنه كان يقري الضيف . والآخر - انهم أروه معجزا من مقدور الله في صورتهم مع البشارة له بالولد على الكبر ، فأخبر الله تعالى ان إبراهيم لما رآهم ممتنعين من تناول الطعام وان أيديهم لا تصل إليه ، والعقل لم يكن مانعا من أكل الملائكة الطعام وإنما علم ذلك بالاجماع وبهذه الآية ، والا ما كان يجوز أن يقدم إبراهيم الطعام مع علمه بأنهم ملائكة . ويجوز بأن يأكلوه وإنما جاز ان يتصور الملائكة في صورة البشر مع ما فيه من الايهام لأنهم أتوه به دلالة ، وكان فيه مصلحة فجرى مجرى السراب الذي يتخيل انه ماء من غير علم أنه ماء وقوله " نكرهم " يقال نكرته وأنكرته بمعنى . وقيل نكرته أشد مبالغة وهي لغة هذيل وأهل الحجاز ، وأنكرته لغة تميم قال الأعشى في الجمع بين اللغتين : وأنكرتني وما كان الذي نكرت * من الحوادث الا الشيب والصلعا ( 1 )

--> ( 1 ) ديوانه : 72 القصيدة 13 وتفسير الطبري 12 : 41 والأغاني 16 : 18 ، والصحاح ، والتاج واللسان ( نكر ) وتفسير القرطي 9 ، 66 . ومجمع البيان 3 : 177 وتفسير الشوكاني 2 : 486 .