الشيخ الطوسي
272
التبيان في تفسير القرآن
قوله تعالى : ( الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا أولئك في ضلال بعيد ) ( 3 ) آية بلا خلاف . " الذين " في موضع جر ، لأنه نعت للكافرين ، وتقديره وويل للكافرين الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة . والاستحباب طلب محبة الشئ بالتعرض لها ، والمحبة إرادة منافع المحبوب . وقد تكون المحبة ميل الطباع . والحياة الدنيا هو المقام في هذه الدنيا العاجلة على الكون في الآخرة . ذمهم الله بذلك ، لان الدنيا دار انتقال ، والآخرة دار مقام . " ويصدون عن سبيل الله " اي يعرضون بنفوسهم عن اتباع الطريق المؤدي إلى معرفة الله ، ويجوز ان يريد انهم يمنعون غيرهم من اتباع سبيل الله تعالى ، يقال : صد عنه يصد صدا ، غير متعد ، وصده يصده صدا متعد . والسبيل الطريق وكلاهما يؤنث ويذكر ، وهو على السبل أغلب و " يبغونها عوجا " أي ويطلبون الطريق عوجا اي عدولا عن استقامته . و ( العوج ) خلاف الميل إلى الاستقامة ، والعوج بكسر العين - في الدين ، وبفتح العين - في العود والبغية طلب المقاصد لموضع الحاجة ، يقال : بغاه يبغيه بغية ، وابتغى ابتغاء ، ودخلت ( على ) في قوله " يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة " لان المعنى يؤثرونها عليها . ولو قيل من الآخرة ، لجاز أن يكون بمعنى يستبدلونها من الآخرة . وقيل : إنه يجري مجرى قولهم : نزلت على بني فلان ، ونزلت في بني فلان ، وببني فلان ، كله بمعنى واحد . وقوله " أولئك في ضلال بعيد " إخبار منه تعالى ان هؤلاء الذين يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة ، ويصدون عن سبيل الله ، في عدول عن الحق ، بعيدون عن الاستقامة .