الشيخ الطوسي

246

التبيان في تفسير القرآن

يقول الله تعالى إن من وصفه بالصفات المذكورة " لهم عقبى الدار " وهي " جنات عدن " قال الزجاج : ( جنات ) بدل على قوله " عقبى الدار " والجنات البساتين التي يحفها الشجر واحدها جنة وأصله الستر من قوله " جن عليه الليل " ( 1 ) وجنه إذا ستره . و ( العدن ) الإقامة الطويلة ، عدن بالمكان إذا أقام به يعدن عدنا ، ومنه المعادن التي يخرج منها الذهب والفضة وغيرهما . وقوله " ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم " اي ويدخل هذه الجنات الذين عملوا الصالحات من آباء المؤمنين ، ومن أزواجهم وذرياتهم . والصلاح استقامة الحال إلى ما يدعو إليه العقل أو الشرع . والمصلح من يفعل الصلاح ، والصالح المستقيم الحال في نفسه . وقوله " والملائكة يدخلون عليهم من كل باب " اي يدخلون من كل باب بالتحية والكرامة ، وفي ذلك تعظيم الذكر للملائكة . وفي الآية دلالة على أن ثواب المطيع لله سروره بما يراه في غيره من أحبته ، لأنهم يسرون بدخول الجنة مع من صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم ، وهم أولادهم ، وذلك يقتضي سرورهم بهذا الخبر . وقوله " سلام عليكم بما صبرتم " اي يقول هؤلاء الملائكة الداخلون عليهم " سلام عليكم . والسلام التحية بالكرامة على انتفاء كل امر يشوبه من مضرة . والقول محذوف لدلالة الكلام عليه . والعقبى الانتهاء الذي يؤدي إليه الابتداء من خير أو شر ، فعقبى المؤمن الجنة فهي نعم الدار ، وعقبى الكافر النار ، وهي بئس الدار . و ( الباء ) في قوله " بما صبرتهم " يتعلق بمعنى " سلام عليكم " لأنه دل على السلامة لكم بما صبرتم ، ويحتمل ان يتعلق بمحذوف ، وتقديره هذه الكرامة لكم بما صبرتم . وقيل في معنى " بما صبرتم " قولان : أحدهما - أن تكون ( ما ) بمعنى المصدر ، فكأنه قال : بصبركم . والثاني - أن تكون بمعنى ( الذي ) كأنه قال بالذي صبرتم على فعل طاعاته وتجنب معاصيه .

--> ( 1 ) سورة الأنعام 6 آية 76