الشيخ الطوسي

243

التبيان في تفسير القرآن

وقوله " إنما يتذكر أولوا الألباب " معناه إنما ينتفع بالذكر من كان له لب ، كقولك : إنما يترك السرف والبغي من له عقل وعلم بالعواقب ، وإن كان كثير ممن له عقل لا يترك ذلك ولا يفكر في العواقب . قوله تعالى : ( الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق ) ( 22 ) آية بلا خلاف . موضع " الذين " رفع لأنه صفة لأولي الألباب ، فكأنه قال إنما يتذكر أولوا الألباب الذين صفتهم أنهم يوفون بعهد الله ولا ينقضون مواثيقه . والايفاء جعل الشئ على المقدار من غير زيادة ولا نقصان ، والعهد العقد المتقدم على الامر بما يفعل ، والنهي عما يجتنب يقال : عهد لله عهدا ، وعاهده معاهدة . وتعهده تعهدا وتعاهده تعاهدا ، والنقض حل العقد بفعل ما ينافيه ، والنقيض معنى تنافي صحته صحة غيره . والنقض في المعاني إيجاد ما لا يمكن ان يصح مع غيره ، كاعتقاد ان زيدا في الدار وليس هو فيها على وجه واحد . والميثاق العهد الواقع على إحكام . توثق توثقا واستوثق استيثاقا ، وواثقه مواثقة ، ووثق به وثوقا وارثقه ايثاقا ، ووثقه توثيقا . والعهد الذي جعله في عقول العباد ما جعل فيها من اقتضاء صحة أمور الدين وفساد أمور أخر ، كاقتضاء الفعل الفاعل ، وأنه لا يصح الفعل الا أن يكون فاعله قادرا ، وان المحكم لا يصح الا من عالم ، وان الصانع لابد ان يرجع إلى صانع غير مصنوع ، والا أدى إلى ما لا نهاية له ، وان للعالم مدبر لا يشبهه ، ولا يحتاج إلى مدبر لحاجته وما أشبه ذلك . وقد يكون أيضا على العهد الذي عاهد عليه النبي صلى الله عليه وسلم . وفي الآية دلالة على وجوب الوفاء بالعهود التي تنعقد بين الخلق سواء كان بين المسلمين أو الكفار ، من الهدنة وغيرها .