الشيخ الطوسي
239
التبيان في تفسير القرآن
ألا ترى ان قوله " وممن حولكم من الاعراب منافقون " ( 1 ) لم يقرب المنافقون الذين حولهم فيه قرب المخالطين لهم حيث يحضرونه ويشهدونه في مشاهدهم . قال الحسن يقول الذي " أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها " إلى قوله " ابتغاء حلية " الذهب والفضة والمتاع والصفر والحديد " كذلك يضرب الله الحق والباطل " كما أوقد على الذهب والفضة والصفر والحديد ، فيخلص خالصه ، " كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء ، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض " قال فكذلك الحق بقي لأهله فانتفعوا به . وقرأ الحسن " بقدرها " بتخفيف الدال وهما لغتان يقال أعطى قدر شبر وفي المصدر بالتخفيف لا غير تقول : قدرت أقدر قدرا ، وفي المثل التخفيف ، والتثقيل تقول : هم يختصمون في القدر بالسكون والحركة قال الشاعر : الا يا لقوم للنوائب والقدر * وللامر يأتي المرء من حيث لا يدري ( 2 ) أخبر الله تعالى انه هو الذي ينزل من السماء ماء يعني الأمطار والغيوث ، فتسيل هذه المياه أودية بقدرها من القلة والكثرة . والسيل جري الماء من الوادي على وجه الكثرة . يقال جاء السيل يغرق الدنيا ، وسال بهم السيل إذا جحفهم بكثرته . والوادي سفح الجبل العظيم المنخفض الذي يجتمع فيه ماء المطر ، ومنه اشتقاق الدية ، لأنه جمع المال العظيم الذي يؤدى عن القتيل ، والقدر إقران الشئ بغيره من غير زيادة ولا نقصان . والوزن يزيد وينقص ، فإذا كان مساويا ، فهو القدر . وقوله " فاحتمل السيل زبدا رابيا " فالاحتمال رفع الشئ على الظهر بقوة الحامل له ، ويقال علا صوته على فلان فاحتمله ، ولم يغضبه ، فقوله هذا يحتمل وجهين : معناه له قوة يحمل بها الوجهين ، والزبد وضر الغليان ، وهو خبث الغليان ومنه زبد القدر ، وزبد السيل ، وزبد البعير . والجفاء ممدود مثل الغثاء وأصله
--> ( 1 ) سورة التوبة 9 آية 101 ( 2 ) مجمع البيان 3 : 286