الشيخ الطوسي
184
التبيان في تفسير القرآن
هذا حكاية ما أجاب به يعقوب بنيه لما قالوا له ما تقدم ذكره ، أي إنما أشكو ، والشكوى صفة ما يجده من البلوى ، وإنما وصف ( ع ) ذلك لله طلبا للفرج من جهته ، والبث تفريق الهم باظهاره عن القلب ، يقال : بثه ما في نفسه بثا وأبثه إبثاثا ، وبث الخيل على العدو : إذا فرقها عليه . وقال ابن عباس معنى ( بثي ) همي . وقوله " واعلم من الله ما لا تعلمون " قيل في معناه قولان : أحدهما - قال ابن عباس : اعلم أن رؤيا يوسف صادقة واني ساجد له . والثاني - قال قتادة : أعلم من احسان الله ( عز وجل ) إلي ما يوجب حسن ظني به ، وإنما جاز على يعقوب وهو نبي ، ان يبكي حتى تبيض عيناه من الحزن ، لان عظم المصيبة يهجم على النفس حتى لا يملك معه القرار بالصبر حتى يرتفع الحزن ، مع أنه على ولد لا كالأولاد ، في جماله ، وعقله ، وعفافه ، وعلمه ، وأخلاقه ، وبره ، من غير تأس يوجب السلوة ، ولا رجاء يقرب الحال الجامعة ، ومع هذا فلم يكن منه الا ما يوجب الاجر العظيم والثواب الجزيل الكريم ، والبكاء ليس بممنوع منه في الشرع ، وإنما الممنوع اللطم ، والخدش ، والجز ، وتخريق الثياب ، والقول الذي لا يسوغ ، وكل ذلك لم يكن منه ( ع ) وإنما جاز أن يخفى خبر يوسف على يعقوب مع قرب المسافة بينهما ، لان يوسف كان بمصر ويعقوب بأرض الجزيرة من أرض حران ، ولم يعرف يوسف أباه مكانه ليزول همه ، لأنه في تلك المدة كان بين شغل وحجر على ما توجبه سياسة الملك ، وبين حبس في السجن ، لأنه مكث فيه سبع سنين لما محن به من امرأة العزيز ، فلما تمكن من التدبير تلطف في ذلك لئلا يكون من أخوته حال تكره في ايصال خبره إلى أبيه لشدة ما ينالهم من التهجين في أمره إذا وقف على خبره . وإنما جاز ان يستخرج الصواع من رحل أخيه مع ايجاب التهمة في ذلك عند الناس ، وغم أبيه وأخيه خاصة وسائر اخوته عامة لوجوه : أحدها - انه كان ذلك بمواطأة أخيه على ذلك بما يسر في باطنه .