الشيخ الطوسي

178

التبيان في تفسير القرآن

وهو خير الحاكمين ) ( 80 ) آية بلا خلاف . أخبر الله تعالى عن اخوة يوسف حين آيسوا من تسليم أخيهم إليهم ، فاليأس ضد الطمع ، يقال : يئس يأسا واستيأس استيئاسا ، فهو يائس ، ومستيئس ، وآيس يأس مثله . وقوله " خلصوا نجيا " أي انفردوا من غير أن يكون معهم غيرهم ممن ليس منهم ، وهذا من عجيب فصاحة القرآن الخارقة للعادة لان بقوله " خلصوا " دل على ما قلناه من معنى الكلام الطويل . واصل الخلوص حصول الشئ من غير شائب فيه من غيره ، كخلوص الذهب من الشئاب ، وسمي الخلاص لذلك ، وقوله " نجيا " مصدر يدل بلفظه على القليل والكثير ، والواحد والجمع . والنجوى مثله ، ولذلك قال تعالى في الواحد " وقربناه نجيا " ( 1 ) وفي الجمع " خلصوا نجيا " قال الشاعر : إني إذا ما القوم كانوا أنجيه * واضطرب القوم اضطراب الارشيه هناك أوصيني ولا توصي بيه ( 2 ) . والمناجاة رفع المعنى من كل واحد إلى صاحبه على وجه خفي . واصل النجو الارتفاع من الأرض والمناجاة المسارة ونجي جمعه أنجية ، وهم يتناجون . و " قال كبيرهم " يعني أكبرهم ، وقال قتادة وابن إسحاق : هو روبيل ، فإنه كان أكبرهم سنا . وقال مجاهد : هو شمعون ، وكان أكبرهم عقلا وعلما دون السن . والأول أليق بالكلام والظاهر : " ألم تعلموا أن أباكم قد اخذ عليكم موثقا من الله " يعني أما علمتم أن أباكم قد حلفكم وأقسمتم له بالله في حفظ أخيكم ، وقبل هذا ما فرطتم في يوسف أي قصرتم في حفظه . واصل التفريط التقديم من قوله صلى الله عليه وسلم ( انا فرطكم على الحوض ) أي متقدمكم . والموثق والايثاق : العهد الوثيق و ( ما ) في قوله

--> ( 1 ) سورة مريم آية 52 . ( 2 ) مر هذا الشعر في 1 : 218 وهو في تفسير القرطبي 9 : 241