الشيخ الطوسي

122

التبيان في تفسير القرآن

والفحشاء اللذين هما القتل والمكروه أو ظن القبيح واعتقاده فيه . فان قيل هذا يقتضي ان جواب ( لولا ) تقدمها في ترتيب الكلام ، ويكون التقدير : لولا أن رأى برهان ربه لهم بضربها ، وتقدم جواب ( لولا ) قبيح أو يقتضي أن تكون ( لولا ) بغير جواب ! . قلنا : اما تقدم جواب ( لولا ) فجائز مستعمل وسنذكر ذلك فيما بعد ، ولا نحتاج إليه في هذا الجواب ، لان العزم على الضرب والهم به وقعا إلا أنه انصرف عنها بالبرهان الذي رآه ، ويكون التقدير ولقد همت به ، وهم بدفعها لولا أن رأى برهان ربه ، لفعل ذلك ، فالجواب المتعلق ب‍ ( لولا ) محذوف في الكلام ، كما حذف في قوله " ولولا فضل الله عليكم ورحمته . وان الله رؤوف رحيم " ( 1 ) معناه ، ولولا فضل الله عليكم لهلكتم ومثله " كلا لو تعلمون علم اليقين " ( 2 ) لم تنافسوا في الدنيا وتحرصوا على حطامها ، وقال امرؤ القيس : فلو انها نفس تموت سوية * ولكنها نفس تساقط أنفسا ( 3 ) والمعنى فلو انها نفس تموت سوية لنقصت وفنيت ، فحذف الجواب تعويلا على أن الكلام يقتضيه ، ولابد لمن حمل الآية على أنه هم بالفاحشة ان يقدر الجواب ، لان التقدير ، ولقد همت بالزنا وهم بمثله ، ، و " لولا أن رأى برهان ربه " لفعله . وإنما حمل همها على الفاحشة وهمه على غير ذلك ، لان الدليل دل من جهة العقل والشرع على أن الأنبياء ، لا يجوز عليهم فعل القبائح ، ولم يدل على أنه لا يجوز عليها ذلك بل نطق القرآن بأنها همت بالقبيح ، قال الله تعالى " وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه . وقوله حاكيا عنها " الآن حصحص الحق انا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين وقال " قالت فذلكن الذي لمتنني به ولقد راودته عن نفسه فاستعصم " وأجمعت الأمة من المفسرين وأصحاب الاخبار

--> ( 1 ) سورة النور آية 20 ( 2 ) سورة التكاثر آية 5 . ( 3 ) ديوان : 117 واللسان " جمع " وأمالي السيد المرتضى 1 : 479 . ورواية اللسان " جميعه " بدل " سوية " .