الشيخ الطوسي
437
التبيان في تفسير القرآن
الذي هذه صفته والناس الذين هذه صفتهم . الثالث - من شر ذي الوسواس الخناس على العموم ، ثم يفسر بقوله - عز وجل - من ( الجنة والناس ) كما يقال : نعوذ بالله من كل مارد : من الجن والإنس وقوله ( الخناس ) معناه الكثير الاختفاء بعد الظهور ، خنس يخنس خنوسا ، ومنه قوله ( فلا اقسم بالخنس ) ( 1 ) أي بالنجوم التي تخفى بعد ما تظهر بتصريف الحكيم الذي أجراها على حق حسن التدبير ، ومنه الخنس في الانف لخفائه بانخفاضه عندما يظهر بنتوئه . قال مجاهد : إذا ذكر العبد ربه خنس ، فإذا غفل وسوس إليه وقوله ( الذي يوسوس في صدور الناس ) قيل : ان الشيطان يعتري الانسان بكلام خفي بفعله يصل مفهومه إلى قلبه من غير سماع صوته ، كانسان يتكلم من وراء حجاب بكلام يصل مفهومه إلى القلب من غير سماع الصوت ، وهذه حالة معقولة تقع عليها الوسوسة وأما الانسان فإنما يوسوس غيره بأن يدعوه إلى الفساد ويحسن ذلك ويغويه به ويسوفه التوبة ويمنيه العفو . وقوله ( من الجنة والناس ) بيان لمن يكون منه الوسوسة وقد بين الله تعالى أنه يكون من قبيل الجن ومن قبيل الانس . والناس أصله من الاناس ، فحذفت الهمزة التي هي فاء ويدل على ذلك الانس والاناس . واما في تحقيره نويس ، فان الألف لما كانت ثانية زائدة اشبهت الف فاعل فلما قلبت واوا شبهة بألف فاعل كذلك جازت الإمالة في المواضع التي أميل الاسم فيها لذلك ، ومن سأل عن قوله ( قل أعوذ برب . وقل يا أيها الكافرون . وسبح اسم ربك ) وما أشبه ذلك من الأوامر المتوجهة إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال : كيف جاز من النبي صلى الله عليه وآله أن يقول : قل للأمة ؟ ولو جاز ذلك لجاز أن يقول الانسان لغلامه قل لزيد كذا فيقول غلامه لزيد : قل كذا . وهذا خلاف الغرض .
--> ( 1 ) سورة 81 التكوير آية 15 .