الشيخ الطوسي

379

التبيان في تفسير القرآن

تعظيمه إلا من هو عارف به ومعتقد العبادة ربه فهو معتقد بتعظيم المسمى لا وجه له يعتد به إلا تعظيم المسمى ، ولهذا قال الله تعالى ( قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أياما تدعوا فله الأسماء الحسنى ) ( 1 ) وقال ( فسبح باسم ربك ) ( 2 ) وقال الله تعالى ( تبارك اسم ربك ذي الجلال والاكرام ) ( 3 ) والباء زائدة ، وتقديره اقرأ اسم ربك . وقوله ( الذي خلق ) في موضع جر ، نعت ل‍ ( ربك ) الذي خلق الخلائق وأخرجهم من العدم إلى الوجود . وقوله ( خلق الانسان من علق ) تخصيص لبعض ما ذكره بقوله ( الذي خلق ) لأنه يشتمل على الانسان وغيره ، وإنما أفرد الانسان بالذكر تشريفا له وتنبيها على ما خصه الله به من سائر الحيوان ، وبين أنه مع ذلك خلقه الله من علق ، وهو القطعة الجامدة من الدم ، وإنما قال ( علق ) وهو جمع علقة لان المراد بالانسان الجمع ، لأنه اسم جنس ، وسمي به قطع العدم التي تعلق لرطوبتها بما تمر به ، فإذا جفت لا تسمى علقا ، وواحدها ( علقة ) مثل شجرة وشجر . وعلق في معنى الجمع ، لان الانسان جمع على طريق الجنس ، والنطقة تستحيل في الرحم علقة ثم مضغة ويسمى ضرب من الدود الأسود العلق ، لأنه يعلق على الشفتين لداء يصيبها فيمتص الدم . وفي خلق الانسان من علق دليل على ما يصح أن ينقلب إليه الجوهر . وقوله ( اقرأ وربك الأكرم ) معناه اقرأ القرآن وربك الأكرم ومعنى الأكرم : الأعظم كرما وفي صفة الله تعالى معناه الأعظم كرما بما لا يبلغه كرم ، الذي يثيبك على عملك بما يقتضيه كرمه ، لأنه يعطي من النعم ما لا يقدر على مثله غيره ، فكل نعمة من جهته تعالى ، إما بأن اخترعها أو سيبها وسهل الطريق إليها .

--> ( 1 ) سورة 17 الاسرى آية 110 ( 2 ) سورة 69 الحاقة آية 52 ( 3 ) سورة 55 الرحمن آية 78 .