الشيخ الطوسي

346

التبيان في تفسير القرآن

ثم قال ( وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه ) أي اختبره بعد ذلك بأن يضيق عليه رزقه قدر البلغة والأصل القدر ، وهو كون الشئ على مقدار ، ومنه تقدير الشئ طلب قدره من مقدار غيره ( فيقول ) العبد عند ذلك ( ربي أهانني ) فقال الله تعالى ردا لتوهم من ظن أن الاكرام بالغنى والإهانة بالفقر بأن قال ( كلا ) ليس الامر على ما توهمه . وإنما الاكرام في الحقيقة بالطاعة ، والإهانة بالمعصية ، وقوله ( كلا ) معناه ليس الامر على ما ظن هذا الانسان الكافر الذي لا يؤمن بالله واليوم الآخر - ذكره قتادة - ثم بين ما يستحق به الهوان بقوله ( بل لا تكرمون اليتيم ولا تحضون على طعام المسكين ) أي الهوان لهذا ، لا لما توهمتم ، تقول : حضضته بمعنى حثثته و ( تحاضون ) بمعنى تحضون فاعلته وفعلته إلا أن المفاعلة بين اثنين فأكثر . وقال الفراء : لا تحاضون بمعنى لا تحافضون ، واصله تتحاضون ، فحذف إحدى التائين . وقوله ( وتأكلون التراث ، أكلا لما ) أي جمعا ، يقال لممت ما على اهوان ألمه لما إذا أكلته اجمع ، والتراث الميراث . وقيل : هو من يأكل نصيبه ونصيب صاحبه . وقوله ( وتحبون المال حبا جما ) قال ابن عباس ومجاهد وابن زيد : معناه كثيرا شديدا يقال : جم الماء في الحوض إذا أجتمع وكثر قال زهير : فلما وردن الماء زرقا جماعه * وضعن عصي الحاضر المتخيم ( 1 ) وقوله ( كلا إذا دكت الأرض دكا دكا ) معناه التهديد والوعيد الشديد أي حقا إذا دكت الأرض بأن جعلت مثل الدكة مستوية لا خلل فيها ولا تلول ، كما قال ( لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ) ( 2 ) وهو يوم القيامة ، فالدك حط المرتفع بالبسط ، يقال اندك سنام البعير إذا انفرش في ظهره وناقة دكاء إذا كانت كذلك ، ومنه الدكان لاستوائه فكذلك

--> ( 1 ) مر في 7 / 143 ( 2 ) سورة 20 طه آية 107 .