الشيخ الطوسي

275

التبيان في تفسير القرآن

ومجازاتهم بأن أمره ان ينظر إلى طعامه الذي يأكله ويتقوته ، ويفكر كيف يخلقه الله ويوصله إليه ويمكنه من الانتفاع به . وبين كيفية ذلك فقال ( إنا صببنا الماء صبا ) أي أنزلنا الغيث إنزالا ( ثم شققنا الأرض شقا ) فالشق قطع الشئ طولا ومثله الصدع والفرج والفطر ، ومن ذلك شق الأرض وشق الخشبة وشق الشعرة فأما قطع الليطة ، وقطع الشجر ، فعلى خلاف ذلك ، فبين تعالى أنه يشق الأرض ويخرج منها ما أنبته من أنواع النبات . ومن فتح ( أنا ) على البدل ، فعلى انه بدل اشتمال ، ويكون موضعه جرا فتقديره فلينظر إلى أنا صببنا . وقال آخرون : موضعه نصب ، لان الأصل ب‍ ( أنا ) و ( لأنا ) فلما أسقط الخافض نصب على المعنى ، فتقديره فلينظر الانسان إلى حدوث طعامه أو نبات طعامه ، لأنه موضع الاعتبار . وقال المبرد : تقديره فلينظر الانسان إلى طعامه ، لأنا صببنا فأخرجنا أي لهذه العلة كان طعامه ، لان قوله ( إنا صببنا ) ليس من الطعام في شئ ، وقال أبو علي : وهو بدل الاشتمال ، لان ما ذكره يشتمل على الطعام فهو بمنزلة قوله ( قتل أصحاب الأخدود النار ) ( 1 ) . وقوله ( فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا . . . ) فالانبات إخراج النامي حالا بعد حال ، يقال أنبته الله إنباتا فنبت نباتا ، ففاعل النبات والانبات واحد إلا أن الانبات يؤخذ منه صفة المنبت ، والنبات يؤخذ منه النابت . وليس النبات فاعلا لكنه الصائر على تلك الصفة بتصيير غيره ، غير أنه لما أسند الفعل إليه اشتق له منه اسم الفاعل . والحب جمع الحبة مثل الشعير والحنطة والسمسم والدخن والأرز وغير ذلك ، وكذلك يسمى حب اللؤلؤ تشبيها بذلك في تدويره . والقضب الرطبة - في قول الضحاك ، والفراء - وأهل مكة يسمون القث قضبا . وأصله فيما يقطع رطبا من

--> ( 1 ) سورة 85 البروج آية 4 - 5 .