الشيخ الطوسي

263

التبيان في تفسير القرآن

وإنما اختار ذلك ، لأنه جعله ( منذرا ) في الحال . ومن اضافه استخف ذلك كما استخف في قوله ( عارضا مستقبل أوديتهم ) ( 1 ) والتنوين مقدر ، لان المعنى إنه منذر في الحال ، وفيما بعد . ومن أضاف جعلها في موضع جر . والمنذر النبي صلى الله عليه وآله قال الله تعالى ( إنما أنت منذر ولكل قوم هاد ) ( 2 ) قال قوم : المنذر النبي صلى الله عليه وآله والهادي علي عليه السلام . وقيل ( لكل قوم هاد ) داع يدعوهم إلى الخلق . يقول الله تعالى مهددا للمكلفين من خلقه ( فإذا جاءت الطامة الكبرى ) قال ابن عباس : الطامة القيامة . وقال الحسن : الطامة هي النفخة الثانية . وقيل : هي الصيحة التي تطم على كل شئ ، وهي الصيحة التي يقع معها البعث والحساب والعقاب والثواب وقيل هي الطامة الغامرة الهائلة ، وفى المثل : ما من طامة إلا وفوقها طامة قال الفراء : يقال : تطم على كل شئ يطم . وقال قوم : الطامة الغامرة ، لما يتدفق بغلظها وكثرتها . وقيل : هي الغاشية المجللة التي تدفق الشئ بالغلظ ، ثم بين متى مجيئها فقال ( يوم يتذكر الانسان ما سعى ) ومعناه تجيئ الطامة في يوم يتذكر الانسان ما عمله في دار التكليف من خير أو شر وسعى فيه ، ويعلم ما يستحقه من ثواب وعقاب ( وبرزت الجحيم لمن يرى ) أي لمن يراها ويبصرها شاهدا ، فالتبريز اظهار الشئ بمثل التكشيف الذي يقضي إليه بالاحساس ، ويقال : فلان مبرز في الفضل إذا ظهر به أتم الظهور ، وبارز قرنه أي ظهر إليه من بين الجماعة . ثم قسم أحوال الخلق في ذلك اليوم من العصاة والمطيعين ، فقال ( فأما من طغى ) بأن تجاوز الحد الذي حده الله ، وارتكب المعاصي والطغيان والعصيان بمجاوزة الحد فيه إلى الافراط فيه ، فكل كافر طاغ بافراطه في ظلم نفسه ، وظلم النفس كظلم غيرها في التعاظم ، وقوله ( وآثر الحياة الدنيا ) معناه اختار منافع الحياة الدنيا

--> ( 1 ) سورة 46 الأحقاف آية 24 ( 3 ) سورة 13 الرعد آية 8 .