الشيخ الطوسي
258
التبيان في تفسير القرآن
موسى عليه السلام في الآية الكبرى ، وهي المعجزة العظيمة ، فما ازداد إلا غواية ، لأنه لا يقاوم الضلال الحق . وقوله ( ثم ادبر يسعى ، فالسعي الاسراع في المشي ، وفي إدباره يسعى في هذه الحال دليل على خوفه . وقيل : إنه لما رأى العصا انقلبت حية في عظمها خاف منه ، فادبر يسعى . وقوله ( فحشر فنادى ) فالحشر الجمع من كل جهة ، وقد يكون الجمع بضم جزء إلى جزء ، فلا يكون حشرا ، فإذا جمع الناس من كل جهة ، فذلك الحشر ، ولهذا سمى يوم الحشر . والحاشر الذي يجمع الناس من كل جهة إلى الخراج ، وإنما طلب السحرة ، فلما اجتمعوا ناداهم فقال لهم ( أنا ربكم الاعلى ) فالأعلى المختص بعلو معنى صفته على غيره مما لا يناله بكيد وينال هو به ، ومن هنا خرج بالغلو إلى التعظيم ، ولم يكن مثل ذلك في جهة من الجهات ، وكأنه قال : أنا الذي أنال بالضرر من شئت ولا ينالني غيري . وكذب - لعنه الله - إنما هذه صفة الذي خلقه وخلق جميع الخلق ، ومعنى ( نادى ) ههنا قال : يا معشر الناس أنا ربكم الاعلى ، إذ نادى بهذا القول . وقيل : كلمته الأولى ( ما علمت لكم من إله غيري ) ( 1 ) وقوله الاخر هذا ( أنا ربكم الاعلى ) ذكره ابن عباس ومجاهد والشعبي والضحاك . ثم حكى تعالى ما عامله به من العقاب فقال ( فأخذه الله نكال الآخرة والأولى ) فالنكال عقاب بنكل من الاقدام على سببه بشدته ، نكل به تنكيلا إذا شوه به في عقابه بما يكون زاجرا لغيره عن مثل حذيه أشد الزجر الذي يزعج النفس . وقال الحسن وقتادة : معناه عذاب الدنيا وعذاب الآخرة . وقال مجاهد : أول عمله وآخره وقال بعضهم : نكاله فعلته الأولى ، وهو قوله ( ما علمت لكم من إله غيري )
--> ( 1 ) سورة 28 القصص آية 38 .