الشيخ الطوسي
247
التبيان في تفسير القرآن
لما ذكر الله تعالى حال الكفار وما أعده لهم من أنواع العقاب ذكر ما للمؤمنين المتقين لمعاصي الله تعالى ، فقال ( إن للمتقين ) الذين يتقون عقاب الله باجتناب معاصيه وفعل طاعته ( مفازا ) وهو موضع الفوز بخلوص الملاذ . وأصل الفوز النجاة إلى حال السلامة والسرور ، ومنه قيل للمهلكة مفازة على وجه التفاؤل ، لأنه قيل منجاة وقيل مفازا منجى إلى مبرة . ثم بين ذلك فقال ( حدائق وأعنابا ) فالحدائق جمع حديقة ، وهي البستان المحوط ، ومنه أحدق به حائطه . والحديقة الجنة المحوطة ، ومنه أحدق القوم بفلان إذا أطافوا به ، وسميت الحدقة حدقة لما يحيط بها من جفنها والأعناب جمع عنب ، وهو ثمر الكرم قبل أن يجف فإذا جف فهو الزبيب ، ونظيره الرطب ثمر النخل قبل أن يصير تمرا فإذا صار تمرا زال عنه اسم الرطب . وقوله ( وكواعب أترابا ) قال ابن عباس : الكواعب النواهد ، والكاعب الجارية قد نهد ثدياها ، يقال : كعب ثدي الجارية ونهد إذا ابتدأ بخروج حسن . والأتراب جمع ترب ، وهي التي تنشأ مع لدتها على سن الصبي الذي يلعب بالتراب فكأنه قيل هم على سن واحدة قال قتادة : أترابا يعني في سن واحدة . وقوله ( وكأسا دهاقا ) فالكأس الاناء إذا كان فيه شراب . وقيل الكاس إناء الخمر الذي يشرب منه ، قال الشاعر : يلذه بكأسه الدهاق ( 1 ) فإن لم يكن فيه الخمر لم يسم كأسا ، والدهاق ملاى بشدة الضغط ، والدهق شدة الضغط في الكأس ملاى مترعة ليس فيها فرجة ليستوفي حال اللذة . وقال قتادة : دهاقا مترعة . وقال مجاهد : معناه متتابعة على شاربها مأخوذ من متابعة الشد في الدهن .
--> ( 1 ) القرطبي 19 / 181 .