الشيخ الطوسي

221

التبيان في تفسير القرآن

من كل مجتلب شديد أسره * سلس القياد تخاله مختالا ( 1 ) واصل الأسر الشد ، ومنه قتب مأسور أي مشدود ، ومنه الأسير ، لأنهم كانوا يشدونه بالقيد ، وجاء في التفسير وشددنا مفاصلهم . ثم قال ( وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا ) معناه إذا شئنا أهلكنا هؤلاء وأمثالهم وجئنا بقوم آخرين بدلهم نخلفهم ونوجدهم . وقوله ( إن هذه تذكرة ) قال قتادة : معناه إن هذه السورة تذكرة ، والتذكرة دلالة تخص بها المعاني الحكمية ، وكل موعظة تدعو إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الافعال تذكرة ( فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا ) أي اتخذ إلى رضا ربه طريقا بأن يعمل بطاعته وينتهي عن معصيته ، وذلك يدل على أنه قادر على ذلك قبل ان يفعله بخلاف ما يقوله المجبرة . وقوله ( وما تشاؤن إلا أن يشاء الله ) أي وليس تشاؤن شيئا من العمل بطاعته وبما يرضاه ويوصلكم إلى ثوابه إلا والله يشاؤه ويريده لأنه يريد من عباده أن يطيعوه ، وليس المراد أن يشاء كل ما يشاؤه العبد من المعاصي والمباحات ، لان الحكيم لا يجوز أن يريد القبائح ولا المباح ، لان ذلك صفة نقص ويتعالى الله عن ذلك . وقد قال الله تعالى ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) ( 2 ) والمعصية والكفر من أعظم العسر فكيف يكون الله تعالى مشيئا له وهل ذلك إلا تناقض ظاهر ؟ ! وقوله ( إن الله كان عليما حكيما ) اخبار بأنه - عز وجل - كان عالما بجميع المعلومات وبما يفعله عباده من الطاعة والمعصية ( حكيما ) في جميع ما يفعله ويأمر به . ثم قال ( يدخل من يشاء في رحمته ) من الجنة وثوابها إذا أطاعوه في عمل ما رغبهم

--> ( 1 ) القرطبي 19 / 149 والطبري 29 / 122 ( 2 ) سورة 2 البقرة آية 185 .