الشيخ الطوسي
219
التبيان في تفسير القرآن
كالذي يخالطه الأنجاس من أنهار الدنيا . وإن قل ذلك وكان مغمورا . وقيل إنه ليس كشراب الدنيا الذي قد نجسه الفساد الذي فيه ، وهو السكر الداعي إلى القبائح ، فقد طهره الله في الجنة من ذلك لتخلص به اللذة ، كما قال ( من خمر لذة للشاربين ) ( 1 ) وقيل : شرابا طهورا لا ينقلب إلى البول بل يفيض من أعراضهم كرشح المسك ذكره إبراهيم التيمي . وقوله ( إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا ) اخبار من الله تعالى انه يقال للمؤمنين إذا فعل بهم ما تقدم من أنواع اللذات وفنون الثواب : إن هذا كان لكم جزاء على طاعاتكم واجتناب معاصيكم في دار التكليف ، وإن سعيكم في مرضات الله وقيامكم بما أمركم الله به كان مشكورا أي جوزيتم عليه ، فكأنه شكر لكم فعلكم . ثم اخبر تعالى عن نفسه فقال ( إنا نحن نزلنا عليك ) يا محمد ( القرآن تنزيلا ) فيه شرف وتعظيم لك . ثم أمره بالصبر على ما أمره من تحمل أعباء الرسالة فقال ( فاصبر ) يا محمد ( لحكم ربك ولا تطع منهم ) يعني من قومه الذين بعث إليهم ( آثما أو كفورا ) وهو نهي عن الجمع والتفريق أي لا تطع آثما ولا كفورا ، كما يقول القائل : لا تفعل معصية صغيرة أو كبيرة أي لا تفعلهما ولا واحدة منهما . ثم امره بان يذكر الله بما يستحقه من الصفات والأسماء الحسنى ، فقال ( واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا ) والبكرة الغداة والأصيل العشي ، وهو أصل الليل وجمعه آصال . وقوله ( ومن الليل فاسجد ) دخلت ( من ) للتبعيض بمعنى فاسجد له في بعض الليل ، لأنه لم يأمره بقيام جميع الليل ، كما قال ( إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من
--> ( 1 ) سورة 47 محمد آية 15 .