الشيخ الطوسي
16
التبيان في تفسير القرآن
وقال قوم : ذكر الله جميع فرائضه ثم قال ( ومن يفعل ذلك ) أي من شغله ماله أو ولده عن ذكر الله ( فأولئك هم الخاسرون ) الذين خسروا ثواب الله وحصل لهم عقابه . ثم أمرهم بأن ينفقوا مما رزقهم الله فيما تجب عليهم النفقة فيه من الزكاة والجهاد والحج والكفارات وغير ذلك من الواجبات . وفي ذلك دليل على أن الحرام ليس برزق من الله ، لان الله لا يأمر بالمعصية بالانفاق ، ولأنه ينهى عن التصرف فيه بلا خلاف ( من قبل ان يأتي أحدكم الموت فيقول لولا أخرتني إلى اجل قريب ) أي هلا . وقيل : معناه إنه يتمنى أن يرد إلى دار الدنيا ، وإنما جاز التمني ب ( لولا ) ، لان أصلها التقدير ، والتمني تقدير الخير للاستمتاع ( فاصدق ) ومعناه فأتصدق ، وانفق في سبيل الله ( وأكن من الصالحين ) أي من الذين يعملون الأفعال الحسنة . وفي ذلك دليل على أن القدرة قبل الفعل ، لأنهم تمنوا ان يؤخروا ليعملوا ما كانوا قادرين عليه متمكنين منه . ودليل على أن الله تعالى لا يخلق الكفر والنفاق فيهم ، لأنه لو فعل ذلك كان لا معنى لتمني التأخير والرد بل الواجب أن يطلبوا منه تعالى ان يكف عنهم الكفر ويخلق فيهم الايمان وقدرته بدل الكفر وقدرته . وقوله ( فاصدق ) انتصب بأنه جواب التمني بالفاء ، وكل جواب بالفاء نصب ، إلا جواب الجزاء ، فإنه رفع على الاستئناف ، لان الفاء في الجزاء وصلة إلى الجواب بالجملة من الابتداء والخير . وإنما نصب الجواب بالفاء للايذان بأن الثاني يجب بالأول بدلالة الفاء في الجواب ، وليس يحتاج إلى ذلك في الجزاء من قبل ان حرف الجزاء يكفي في الدلالة . ومن قرأ ( واكن ) فجزم عطف على موضع الفاء ، لأنها في موضع جزم . ومن قرأ ( وأكون ) عطف على لفظ ( فأصدق ) . ثم قال ( ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها ) يعني الأجل المطلق الذي