الشيخ الطوسي

124

التبيان في تفسير القرآن

به استحق المدح والثواب ، والمقلد عاص بتقليده ، لأنه لا يرجع فيه إلى حجة . وقوله ( والذين هم من عذاب ربهم مشفقون ) فالاشفاق رقة القلب عن تحمل ما يخاف من الامر ، فإذا قسا قلب الانسان بطل الاشفاق ، وكذلك إذا أمن كحال أهل الجنة إذ قد صاروا إلى غاية الصفة بحصول المعارف الضرورية . وقيل : من أشفق من عذاب الله لم يتعد له حدا ولم يضيع له فرضا . وقوله ( إن عذاب ربهم غير مأمون ) اخبار منه تعالى بأن عذاب الله لا يوثق بأنه لا يكون ، بل المعلوم أنه كائن لا محالة . والمعنى إن عذاب الله غير مأمون على العصاة ، يقال : فلان مأمون على النفس والسر والمال ، وكل ما يخاف انه لا يكون ، ونقيضه غير مأمون . وقوله ( والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ) ومعناه إنهم يمنعون فروجهم على كل وجه وسبب إلا على الأزواج وملك الايمان فكأنه قال : لا يبذلون الفروج إلا على الأزواج أو ملك الايمان ، فلذلك جاز ان يقول ( حافظون إلا على أزواجهم ) وهم حافظون لها على الأزواج ، فإنما دخلت ( إلا ) للمعنى الذي قلناه ، وقال الزجاج تقديره : إلا من أزواجهم ف‍ ( على ) بمعنى ( من ) أو تحمله على المعنى ، وتقديره فإنهم غير ملومين على أزواجهم ويلامون على غير أزواجهم ، وقال الفراء : لا يجوز أن تقول : ضربت من القوم إلا زيدا ، وأنت تريد إلا أني لم اضرب زيدا . والوجه في الآية أن نحملها على المعنى ، وتقديره والذين هم لفروجهم حافظون ، فلا يلامون إلا على غير أزواجهم . ومثله أن يقول القائل : أصنع ما شئت إلا على قتل النفس ، فإنك غير معذب ، فمعناه إلا إنك معذب في قتل النفس . وقوله ( فإنهم غير ملومين ) أي لا يلامون هؤلاء إذا لم يحفظوا فروجهم