الشيخ الطوسي

384

التبيان في تفسير القرآن

والظاهر في ورايات أصحابنا ان الساحر يجب قتله وفيه خلاف ذكرناه في الخلاف . وقال أبو علي من قال : انه بقلب الأجسام ، وينشئها ، يجب قتله ان لم يتب ، لأنه مرتد كافر بالأنبياء ، لأنه لا يجد بين ما ادعى وبين آياتهم فضلا ( 1 ) واما من قال : إنه يموه ويمخرق ( 2 ) ، فإنه يؤدب ، فلا يقتل . واما الروايات التي في أن الملكين أخطئا ، وركبا الفواحش ، فإنها اخبار آحاد . من اعتقد عصمة الملائكة ، يقطع على كذبها ومن لم يقطع على ذلك ، جوز أن تكون صحيحة ، ولا يقطع على بطلانها . والذي نقوله إن كان الملكان رسولين فلا يجوز عليهما ذلك ، وان لم يكونا رسولين ، جاز ذلك - وان لم نقطع به - وقد بينا الكلام عليه فيما مضى . فأما ما روي من أن النبي " ص " سحر - وكان يرى أنه يفعل ما لم يفعله - وانه لم يفعله فأخبار آحاد ، لا يلتفت إليها . وحاشى النبي " ص " من كل صفة نقص ، إذ تنفر من قبول قوله ، لأنه حجة الله على خلقه ، وصفيه من عباده ، واختاره الله على علم منه . فكيف يجوز ذلك مع ما جنبه الله من الغظاظة والغلظة ، وغير ذلك من الأخلاق في الدنيئة ، والخلق المشينة ، ولا يجوز ذلك على الأنبياء الا من لم يعرف مقدارهم ولا يعرفهم حقيقة معرفتهم . وقد قال الله تعالى : " والله يعصمك من الناس " ( 3 ) وقد اكذب الله من قال : ان يتبعوا إلا رجلا مسحورا . فقال : " وقال الظالمون ان يتبعون إلا رجلا مسحورا " ( 4 ) فنعوذ بالله من الخذلان ، ونحمده على التوفيق لما يرضاه . و " لكن " مشددة ، ومخففة معناهما واحد . قال الكسائي : والذي اختارته العرب إذا كانت ( ولكن ) بالواو مشددة ، وإذا كانت بلا واو اختاروا التخفيف - وكل صواب - وقرئ بغير ما اختاروه اتباعا للاخبار في القراءة .

--> ( 1 ) في المطبوعة " بين ابائهم فصلا " ( 2 ) الممخرق ، والمموه يطلقان على معنى واحد . والمخرقة مأخوذة من مخاريق الصبيان : وهي خرق مفتولة يلعبون بها . ( 3 ) سورة المائدة : آية 70 . ( 4 ) سورة الاسرى : آية 47 والفرقان : آية 8 .