الشيخ الطوسي
375
التبيان في تفسير القرآن
الأنبياء فيبطل الاستدلال بها . وقال جماعة من المفسرين منهم : أبو علي وغيره أنزلهما الله من السماء وجعلهما بهيئة الانس ، حتى بينا للناس بطلان السحر . وقال الحسن وقتادة : اخذ عليهما ألا يعلماه " حتى يقولا : إنما نحن فتنة فلا تكفر " . وقوله : " وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر " على قول من جعل ما جحدا . وقوله : " وما انزل على الملكين " يحتمل أن يكون ذلك من قول هاروت وماروت وليسا ملكين . كما يقول الغاوي الخليع لنا انك في ضلال فلا ترد ما انا فيه ، فيقر بالذنب وهو يأتيه . والتقدير على هذا : " ولكن الشياطين كفروا " هاروت وماروت . فمن قرأ الملكين بفتح اللام - وهو قراءة الجمهور ، اختلفوا فمنهم من قال : ان سحرة اليهود زعموا ان الله انزل السحر على لسان جبريل ، وميكايل إلى سليمان ، فأكذبهم الله بذلك وفي الكلام تقديم وتأخير ، فتقديره وما كفر سليمان وما انزل على الملكين ، ولكن الشياطين كفروا . يعلمان الناس السحر . ببابل هاروت وماروت - وهما رجلان ببابل غير الملكين اسم أحدهما - هاروت والآخر ماروت ، ويكون هاروت وماروت بيانا عن الناس . وقال قوم : ان هاروت وماروت ملكان من الملائكة . واختلفوا في سبب هبوطهما - على قولين . فقال قوم : ان الله أهبطهما ليأمرا بالدين ، وينهيا عن السحر ، لان السحر كان كثيرا في ذلك الوقت ، ثم اختلفوا فقال قوم : كانا يعلمان الناس كيفية السحر وينهيانهم عن فعله ، ليكون النهي بعد العلم به ، لان من لا يعرف الشئ فلا يمكنه اجتنابه . وقال قوم آخرون : لم يكن للملكين تعليم السحر ، ولا اظهاره ، لما في تعليمه من الاغراء بفعله . والثالث هبطا لمجرد النهي - إذ كان السحر فاشيا - . وقال قوم : كان سبب هبوطهما ان الملائكة تعجبت من معاصي بني آدم مع كثرة نعم الله عليهم ، فقال لهم : اما لو كنتم مكانهم لعملتم مثل اعمالهم ، فقالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا ، فامرهم ان يختاروا ملكين ليهبطا إلى الأرض فاختاروا هاروت وماروت ، فاهبطا إلى الأرض ، وركب فيهما شهوة الطعام والشراب والنكاح ،